رجال حول الرسول صلى الله عليه وسلم

2019-05-07T09:51:19+00:00
2019-05-07T09:51:40+00:00
الإفتتاحية
الدقيقة907 مايو 2019آخر تحديث : منذ سنة واحدة
رجال حول الرسول صلى الله عليه وسلم
رابط مختصر


مؤلف الكتاب: خالد محمد خالد

مصعب بن عمير
أول سفراء الاسلام

ھذا رجل من أصحاب محمد ما أجمل أن نبدأ به الحديث.
ّ غرة فتيان قريش، وأوفاھم جمالا، وشبابا..
يصف المؤرخون والرواة شبابه فيقولون”: كان أعطر أھل مكة..”
ولد في النعمة، ّ وغذي بھا، ّ وشب تحت خمائلھا.
ولعله لم يكن بين فتيان مكة من ظفر بتدليل أبويه بمثل ما ظفر به “مصعب بن عمير..”
ذلك الفتر الريّان، المدلل ّ المنعم، حديث حسان مكة، ولؤلؤة ندواتھا ومجالسھا، أيمكن أن ّ يتحول الى
أسطورة من أساطير الايمان والفداء..؟
باͿ ما أروعه من نبأ.. نبأ “مصعب بن عمير”، أو “مصعب الخير” كما كان لقبه بين المسلمين.
انه واحد من أولئك الذين صاغھم الاسلام وربّاھم “محمد” عليه الصلاة والسلام..
ولكن أي واحد كان..؟
ان قصة حياته لشرف لبني الانسان جميعا..
لقد سمع الفتى ذات يوم، ما بدأ أھل مكة يسمعونه من محمد الأمين صلى الله عليه وسلم..
“محمد” الذي يقول أن الله أرسله بشيرا ونذيرا. وداعيا الى عبادة الله الواحد الأحد.

وحين كانت مكة تمسي وتصبح ولا ّ ھم لھا، ولا حديث يشغلھا الا الرسول عليه الصلاة والسلام ودينه،
كان فتى قريش المدلل أكثر الناس استماعا لھذا الحديث.
ذلك أنه كان على الرغم من حداثة سنه، زينة المجالس والندوات، تحرص كل ندوة أن يكون مصعب بين
شھودھا، ذلك أن أناقة مظھره ورجاحة عقله كانتا من خصال “ابن عمير التي تفتح له القلوب
والأبواب..
ولقد سمع فيما سمع أن الرسول ومن آمن معه، يجتمعون بعيدا عن فضول قريش وأذاھا.. ھناك على
الصفا في درا “الأرقم بن أبي الأرقم” فلم يطل به التردد، ولا التلبث والانتظار، بل صحب نفسه ذات
مساء الى دار الأرقم تسبقه أشواقه ورؤاه…
ھناك كان الرسول صلى الله عليه وسلم يلتقي بأصحابه فيتلو عليھم القرآن، ويصلي معھم ّ العلي
القدير.

ولم يكد مصعب يأخذ مكانه، وتنساب الآيات من قلب الرسول متألفة على شفتيه، ثم آخذة طريقھا الى
الأسماع والأفئدة، حتى كان فؤاد ابن عمير في تلك الأمسية ھو الفؤاد الموعود!..
ولقد كادت الغبطة تخلعه من مكانه، وكأنه من الفرحة الغامرة يطير.
ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم بسط يمينه الحانية حتى لامست الصدر المتوھج، والفؤاد المتوثب،
فكانت السكينة العميقة عمق المحيط.. وفي لمح البصر كان الفتى الذي آمن وأسلم يبدو ومعه من الحكمة
ما بفوق ضعف سنّه وعمره، ومعه من التصميم ما يغيّر سير الزمان!!!.

كانت أم مصعب “خنّاس بنت مالك” تتمتع بقوة فذة في شخصيتھا، وكانت تھاب الى حد الرھبة..
ولم يكن مصعب حين أسلم ليحاذر أو يخاف على ظھر الأرض قوة سوى امه.
فلو أن مكة بل أصنامھا وأشرافھا وصحرائھا، استحالت ھولا يقارعه ويصارعه، لاستخف به مصعب
الى حين..
أما خصومة أمه، فھذا ھو الھول الذي لا يطاق!..
ولقد فكر سريعا، وقرر أن يكتم اسلامه حتى يقضي الله أمرا.
وظل يتردد على دار الأرقم، ويجلس الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وھو قرير العين بايمانه،
وبتفاديه غضب أمه التي لا تعلم خبر اسلامه خبرا..
ولكن مكة في تلك الأيام بالذات، لا يخفى فيھا سر، فعيون قريش وآذانھا على كل طريق، ووراء كل
بصمة قدم فوق رمالھا الناعمة اللاھبة، الواشية..
ولقد أبصر به “عثمان بن طلحة” وھو يدخل خفية الى دار الأرقم.. ثم رآه مرة أخرى وھو سصلي
كصلاة محمد صلى الله عليه وسلم، فسابق ريح الصحراء وزوابعھا، شاخصا الى أم مصعب، حيث ألقى
عليھا النبأ الذي طار بصوابھا..

ووقف مصعب أمام أمه، وعشيرته، وأشراف مكة مجتمعين حوله يتلو عليھم في يقين الحق وثباته،
القرآن الذي يغسل به الرسول قلوبھم، ويملؤھا به حكمة وشرفا، وعدلا وتقى.
ّ وھمت أمه أن تسكته بلطمة قاسية، ولكن اليد التي امتدت كالسھم، ما لبثت أم استرخت ّ وتنحت أمام
النور الذي زاد وسامة وجھه وبھاءه جلالا يفرض الاحترام، وھدوءا يفرض الاقناع..
ولكن، اذا كانت أمه تحت ضغط أمومتھا ستعفيه من الضرب والأذى، فان في مقدرتھا أ، تثأر للآلھة التي
ھجرھا بأسلوب آخر..
وھكذا مضت به الى ركن قصي من أركان دارھا، وحبسته فيه، وأحكمت عليه اغلاقه، وظل رھين
محبسه ذاك، حتى خرج بعض المؤمنين مھاجرين الى أرض الحبشة، فاحتال لنفسه حين سمع النبأ،
وغافل أمه وحراسه، ومضى الى الحبشة مھاجرا ّ أوابا..
ولسوف يمكث بالحبشة مع اخوانه المھاجرين، ثم يعود معھم الى مكة، ثم يھاجر الى الحبشة للمرة
الثانية مع الأصحاب الذين يأمرھم الرسول بالھجرة فيطيعون.

ولكن سواء كان مصعب بالحبشة أم في مكة، فان تجربة ايمانه تمارس ّ تفوقھا في كل مكان وزمان، ولقد
فرغ من اعداة صياغة حياته على النسق الجديد الذي أعطاھم محمد نموذجه المختار، واطمأن مصعب
الى أن حياته قد صارت جديرة بأن ّ تقدم قربانا لبارئھا الأعلى، وخالقھا العظيم..
خرج يوما على بعض المسلمين وھم جلوس حول رسول الله، فما ان بصروا به حتى حنوا رؤوسھم
وغضوا أبصارھم وذرفت بعض عيونھم دمعا شجيّا..
ذلك أنھم رأوه.. يرتدي جلبابا مرقعا باليا، وعاودتھم صورته الأولى قبل اسلامه، حين كانت ثيابه كزھور
الحديقة النضرة، وألقا وعطرا..
وتملى رسول الله صلى الله عليه وسلم مشھده بنظرات حكيمة، شاكرة محبة، وتألقت على شفتيه
ابتسامته الجليلة، وقال:
” لقد رأيت مصعبا ھذا، وما بمكة فتى أنعم عند أبويه منه، ثم ترك ذلك كله حبا ورسوله!!

لقد منعته أمه حين يئست من ّ ردته كل ما كانت تفيض عليه من نعمة.. وأبت أن يأكل طعامھا انسان
ھجر الآلھة وحاقت به لعنتھا، حتى ولو يكون ھذا الانسان ابنھا!!..
ولقد كان آخر عھدھا به حين حاولت حبسه ّ مرة أخرى بعد رجوعه من الحبشة. فآلى على نفسه لئن ھي
فعلت ليقتلن كل من تستعين به على حبسه..
وانھا لتعلم صدق عزمه اذا ّ ھم وعزم، فودعته باكية، وودعھا باكيا..
وكشفت لحظة الوداع عن اصرار عجيب على الكفر من جانب الأم واصرار أكبر على الايمان من جانب
الابن.. فحين قالت له وھي تخرجھمن بيتھا: اذھب لشأنك، لم أعد لك ّ أما. اقترب منھا وقال”:يا ّ أمه اني
لك ناصح، وعليك شفوق، فاشھدي بأنه لا اله الا الله، وأن محمدا عبده ورسوله…”
أجابته غاضبة مھتاجة”: قسما بالثواقب، لا أدخل في دينك، فيزرى برأيي، ويضعف غقلي!!..”
وخرج مصعب من العنمة الوارفة التي كان يعيش فيھا مؤثرا الشظف والفاقة.. وأصبح الفتى المتأنق
المعطّر، لا يرى الا مرتديا أخشن الثياب، يأكل يوما، ويجوع أياماو ولكن روحه المتأنقة بسمو العقيدة،
والمتألقة بنور الله، كانت قد جعلت منه انسانا آخر يملأ الأعين جلال والأنفس روعة..

وآنئذ، اختاره الرسول لأعظم مھمة في حينھا: أن يكون سفيره الى المدينة، يفقّه الأنصار الذين آمنوا
وبايعوا الرسول عند العقبة، ويدخل غيرھم في دين الله، ّ ويعد المدينة ليوم الھجرة العظيم..
كان في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ من ھم أكبر منه سنّا وأكثر جاھا، وأقرب من
الرسول قرابة.. ولكن الرسول اختار مصعب الخير، وھو يعلم أنه يكل اليه بأخطر قضايا الساعة، ويلقي
بين يديه مصير الاسلام في المدينة التي ستكون دار الھجرة، ومنطلق الدعوة والدعاة، والمبشرين
والغزاة، بعد حين من الزمان قريب..
وحمل مصعب الأمانة مستعينا بما أنعم الله عليه من رجاحة العقل وكريم الخلق، ولقد غزا أفئدة المدينة
وأھلھا بزھده وترفعه واخلاصه، فدخلوا في دين الله أفواجا..

لقد جاءھا يوم بعثه الرسول اليھا وليس فيھا سوى اثني عشر مسلما ھم الذين بايعوا النبي من قبل
بيعة العقبة، ولكنه ام يكد يتم بينھم بضعة أشھر حتى استجابوا وللرسول!!..
وفي موسم الحج التالي لبيعة العقبة، كان مسلمو المدينة يرسلون الى مكة للقاء الرسول وفدا يمثلھم
وينوب عنھم.. وكان عدد أعضائه سبعين مؤمنا ومؤمنة.. جاءوا تحت قيادة معلمھم ومبعوث نبيھم اليھم
“مصعب ابن عمير.”
لقد أثبت “مصعب” بكياسته وحسن بلائه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرف كيف يختار..
فلقد فھم مصعب رسالته تماما ووقف عند حدودھا.ز عرف أنه داعية الى الله تعالى، ومبشر بدينه الذي
يدعوا الناس الى الھدى، والى صراط مستقيم. وأنه كرسوله الذي آمن به، ليس عليه الا البلاغ..
ھناك نھض في ضيافة “أسعد بم زرارة” يفشيان معا القبائل والبويت والمجالس، تاليا على الناس ما
كان معه من كتاب ربه، ھاتفا بينھم في رفق عظيم بكلمة الله (انما الله اله واحد..)
ولقد ّ تعرض لبعض المواقف التي كان يمكن أن تودي به وبمن معه، لولا فطنة عقله، وعظمة روحه.

ذات يوم فاجأه وھو يعظ الانس “أسيد بن خضير” سيد بني عبد الأشھل بالمدينة، فاجأه شاھرا
حربتھو يتوھج غضبا وحنقا على ھذا الذي جاء يفتن قومه عن دينھم.. ويدعوھم لھجر آلھتھم، ويحدثھم
عن اله واحد لم يعرفوه من قبل، ولم يألفوه من قبل!..
ان آلھتھم معھم رابضة في مجاثمھاو اذا حتاجھا أحد عرف مكانھا وولى وجھه ساعيا اليھا، فتكشف
ّ ضره وتلبي دعاءه… ھكذا يتصورون ويتوھمون..
أما اله محمد الذي يدعوھم اليه باسمه ھذا السفير الوافد اليھم، فما أحد يعرف مكانه، ولا أحد يستطيع
أن يراه!!..
وما ان رأى المسلمون الذين كانوا يجالسون مصعبا مقدم أسيد ابن حضير متوشحا غضبه المتلظي،
وثورته المتحفزة، حتى وجلوا.. ولكن مصعب الخير ظل ثابتا وديعا، متھللا..
وقف اسيد أمامه مھتاجا، وقال يخاطبه ھو وأسعد بن زرارة:
“ما جاء بكما الى حيّنا، تسھفان ضعفاءنا..؟ اعتزلانا، اذا كنتما لا تريدان الخروج من الحياة!!..”
وفي مثل ھدوء البحر وقوته..

وفي مثل تھلل ضوء الفجر ووداعته.. انفرجت أسارير مصعب الخير ّ وتحرك بالحديث الطيب لسانه فقال:
“أولا تجلس فتستمع..؟! فان رضيت أمرنا قبلته.. وان كرھته كففنا عنك ما تكره.”
الله أكبر. ما أروعھا من بداية سيسعد بھا الختام!!.

كان أسيد رجلا أريبا عاقلا.. وھا ھو ذا يرى مصعبا يحتكم معه الى ضميره، فيدعوه أن يسمع لا غير..
فان اقتنع، تركه لاقتناعھو وان لم يقتنع ترك مصعب حيّھم وعشيرتھم، وتحول الى حي آخر وعشيرة
أخرى غير ّ ضار ولا ّ مضار..
ھنالك أجابه أسيد قائلا: أنصفت.. وألقى حربته الى الأرض وجلس يصغي..
ولم يكد مصعب يقرأ القرآن، ويفسر الدعوة التي جاء بھا محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام، حتى
أخذت أسارير أسيد تبرق وتشرق.. وتتغير مع مواقع الكلم، وتكتسي بجماله!

ولم يكد مصعب يفرغ من حديثه حتى ھتف به أسيد بن حضير وبمن معه قائلا:
“ما أحسن ھذا القول وأصدقه.. كيف يصنع من يريد أن يدخل في ھذا الدين..”؟؟
وأجابوه بتھليلة ّ رجت الأرض ّ رجا، ثم قال له مصعب:
“يطھر ثوبه وبدنه، ويشھد أن لا اله الا الله.”
فعاب أسيد عنھم غير قليل ثم عاد يقطر الماء الطھور من شعر رأسه، ووقف يعلن أن لا اله الا الله، وأن
محمدا رسول الله..
وسرى الخبر كالضوء.. وجاء سعد بن معاذ فأصغى لمصعب واقتنع، وأسلم ثم تلاه سعد بن عبادة، وتمت
باسلامھم النعمة، وأقبل أھل المدينة بعضھم على بعض يتساءلون: اذا كان أسيد بن حضير، وسعد ابن
معاذ، وسعد بن عبادة قد أسلموا، ففيم تخلفنا..؟ ھيا الى مصعب، فلنؤمن معه، فانھم يتحدثون أن الحق
يخرج من بين ثناياه!!.

لقد نجح أول سفراء الرسول صلى الله عليه وسلم نجاحا منقطع النظير.. نجاه\حا ھو له أھل، وبه
جدير..
وتمضي الأيام والأعوام، ويھاجر الرسول وصحبه الى المدينة، وتتلمظ قريش بأحقادھا.. ّ وتعد ّ عدة
باطلھا، لتواصل مطاردتھا الظالمة لعباد الله الصالحين.. وتقوم غزوة بدر، قيتلقون فيھا درسا يفقدھم
بقية صوابھم ويسعون الى الثأر،و تجيء غزوة أحد.. ويعبئ المسلمون أنفسھم، ويقف الرسول صلى الله
عليه وسلم وسط صفوفھم ّ يتفرس الوجوه المؤمنة ليختار من بينھا من يحمل الراية.. ويدعو مصعب
لخير، فيتقدم ويحمل اللواء..
وتشب المعركة الرھيبة، ويحتدم القتال، ويخالف الرماة أمر الرسول عليه الصلاة والسلام، ويغادرون
موقعھم في أعلى الجبل بعد أن رأوا المشركين ينسحبون منھزمين، لكن عملھم ھذا، سرعان ما ّ يحول
نصر المسلمين الى ھزيمة.. ويفاجأ المسلمون بفرسان قريش تغشاھم من أعلى الجبل، وتعمل فيھم على
حين ّ غرة، السيوف الظامئة المجنونة..
حين رأوا الفوضى والذعر في صفوف المسلمين، ركزا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لينالوه..
وأدرك مصعب بن عمير الخطر الغادر، فرفع اللواء عاليا، وأطلق تكبيرة كالزئير، ومضى يجول
ويتواثب.. وكل ھمه أن يلفت نظر الأعداء اليه ويشغلھم عن الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه، ّ وجرد
من ذاته جيشا بأسره.. أجل، ذھب مصعب يقاتل وحده كأنه جيش لجب غزير..
يد تحمل الراية في تقديس..
ويد تضرب بالسيف في عنفزان..
ولكن الأعداء يتكاثرون عليه، يريدون أن يعبروا فوق جثته الى حيث يلقون الرسول..
لندع شاھد عيان يصف لنا مشھد الخاتم في حياة مصعب العظيم!!..
يقول ابن سعد: أخبرنا ابراھيم بن محمد بن شرحبيل العبدري، عن أبيه قال:
]حمل مصعب بن عمير اللواء يوم أحد، فلما جال المسلمون ثبت به مصعب، فأقبل ابن قميئة وھو
فارس، فضربه على يده اليمنى فقطعھا، ومصعب يقول: وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل..

وأخذ اللواء بيده اليسرى وحنا عليه، فضرب يده اليسرى فقطعھا، فحنا على اللواء ّ وضمه بعضديه الى
صدره وھو يقول: وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل..
ثم حمل عليه الثالثة بالرمح فأنفذه وأندق الرمح، ووقع مصعب، وسقط اللواء.[
وقع مصعب.. وسقط اللواء!!..
وقع حلية الشھادة، وكوكب الشھداء!!..
وقع بعد أن خاض في استبسال عظيم معركة الفداء والايمان..
كان يظن أنه اذا سقط، فسيصبح طريق القتلة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم خاليا من المدافعين
والحماة..
ولكنه كان يعزي نفسه في رسول الله عليه الصلاة والسلام من فرط حبه له وخوفه عليه حين مضى يقول
مع كل ضربة سيف تقتلع منه ذراعا:
)وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل(
ھذه الآية التي سينزل الوحي فيما بعد يرددھا، ويكملھا، ويجعلھا، قرآنا يتلى..

وبعد انتھاء المعركة المريرة، وجد جثمان الشھيد الرشيد راقدا، وقد أخفى وجھه في تراب الأرض
المضمخ بدمائه الزكية..
لكأنما خاف أن يبصر وھو جثة ھامدة رسول الله صلى الله عليه وسلم يصيبه السوء، فأخفى وجھه حتى
لا يرى ھذا الذي يحاذره ويخشاه..!!
أو لكأنه خجلان اذ سقط شھيدا قبلأن يطمئن على نجاة رسول الله، وقبل أن يؤدي الى النھاية واجب
حمايته والدفاع عنه!!..
لك الله يا مصعب.. يا من ذكرك عطر الحياة!!..

وجاء الرسول وأصحابه يتفقدون أرض المعركة ويودعون شھداءھا..
وعند جثمان مصعب، سالت دموع وفيّة غزيرة..
يقوا خبّاب بن الأرت:
(ھاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل اله، نبتغي وجه الله، فوجب أجرنا على الله.. فمنا
من مضى، ولم يأكل من أجره في دنياه شيئا، منھم مصعب بن عمير، قتل يوم أحد.. فلم يوجد له شيء
يكفن فيه الا نمرة.. فكنا اذا وضعناھا على رأسه ّ تعرت رجلاه، واذا وضعناھا على رجليه برزت رأسه،
فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم”: اجعلوھا مما يلي رأسه، واجعلوا على رجليه من نبات
الاذخر..)..” وعلى الرغم من الألم الحزين العميق الذي سببه رزء الرسول صلى الله عليه وسلم في عمه حمزة،
وتمثيل المشركين يجثمانه تمثيلا أفاض دموع الرسول عليه السلام، وأوجع فؤاده..

وعلى الرغم م امتاتء أرض المعركة بجثث أصحابه وأصدقائه الذين كان كل واحد منھم يمثل لديه عالما
من الصدق والطھر والنور..
على الرغم من كل ھذا، فقد وقف على جثمان أول سفرائه، يودعه وينعاه..
أجل.. وقف الرسول صلى الله عليه وسلم عند مصعب بن عمير وقال وعيناه تلفانه بضيائھما وحنانھما
ووفائھما:
(من المؤمنين رجال صدقوا ما عاھدوا الله عليه) ثم ألقى في أسى نظرة على بردته التي مفن بھا وقاللقد رأيتك بمكة، وما بھا أرق حلة، ولا أحسن ّ لمة منك. “ثم ھأنتذا شعث الرأس في بردة..”؟!
وھتف الرسول عليه الصلاة والسلام وقد وسعت نظراته الحانية أرض المعركة بكل من عليھا من رفاق
مصعب وقال:
“ان رسول الله يشھد أنكم الشھداء عند الله يوم القيامة.” ثم أقبل على أصحابه الأحياء حوله وقال:
“أيھا الناس زوروھم،وأتوھم، وسلموا عليھم، فوالذي نفسي بيده، لا يسلم عليھم مسلم الى يوم القيامة،
الا ردوا عليه السلام..”
**
السلام عليك يا مصعب..
السلام عليكم يا معشر الشھداء..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.