رجال حول الرسول صلى الله عليه وسلم: عبد الله بن عمر المثابرالأواب

2019-05-11T15:23:48+01:00
2019-05-11T15:23:56+01:00
الإفتتاحية
عبدالصمد تاغي11 مايو 2019آخر تحديث : منذ 4 أشهر
رجال حول الرسول صلى الله عليه وسلم: عبد الله بن عمر المثابرالأواب
رابط مختصر

عبد الله بن عمر
المثابر، ّ الأواب


ّ تحدث وھو على قمة عمره الطويل فقال:
“لقد بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم..
فما نكثت ولا ّ بدلت الى يومي ھذا..
وما بايعت صاحب فتنة..
ولا أيقظت مؤمنا من مرقده..”
وفي ھذه الكلمات تلخيص لحياة الرجل الصالح الذي عاش فوق الثمانين، والذي بدأت علاقته بالاسلام
والرسول، وھو في الثالثة عشر من العمر، حين صحب أباه في غزوة بدر، راجيا أن يكون له بين
المجاھدين مكان، لولا أن ّ رده الرسول عليه السلام لصغر سنه..
من ذلك اليوم.. بل وقبل ذلك اليوم حين صحب أباه في ھجرته الى المدينة.. بدأت صلة الغلام ذي الرجولة
المبكرة بالرسول عليه السلام والاسلام..
ومن ذلك اليوم الى اليوم الذي يلقى فيه ربه، بالغا من العمر خمسة وثمانين عاما، سنجد فيه حيثما
نلقاه، المثابر ّ الأواب الذي لا ينحرف عن نھجه قيد أشعرة، ولا يند عن بيعة بايعھا، ولا يخيس بعھد
أعطاه..
وان المزايا التي تأخذ الأبصار الى عبدالل بن عمر لكثيرة.
فعلمه وتواضعه، واستقامة ضميره ونھجه، وجوده، وورعه، ومثابرته، على العبادة وصدق استمساكه
بالقدوة..
كل ھذه الفضائل والخصال، صاغ ابن عمر عمره منھا، وشخصيته الفذة، وحياته الطاھرة الصادقة..
لقد تعلم من أبيه عمر بن الخطاب خيرا كثيرا.. وتعلم مع أبيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم الخير
كله والعظمة كلھا..
لقد أحسن كأبيه الايمان باͿ ورسوله.. ومن ثم، كانت متابعته خطى الرسول أمرا يبھر الألباب..
فھو ينظر، ماذا كان الرسول يفعل في كل أمر، فيحاكيه في دقة واخبات..
ھنا مثلا، كان الرسول عليه الصلاة والسلام يصلي.. فيصلي ابن عمر في ذات المكان..
وھنا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو قائما، فيدعو ابن عمر قائما…
وھنا كان الرسول يدعو جالسا، فيدعو عبدالله جالسا..
وھنا وعلى ھذا الطريق نزل الرسول يوما من فوق ظھر ناقته، وصلى ركعتين، فصنع ابن عمر ذلك اذا
جمعه السفر بنفس البقعة والمكان..
بل انه ليذكر أن ناقة الرسول دارت به دورتين في ھذا المكان بمكة، قبل أن ينزل الرسول من فوق
ظھرھا، ويصلي ركعتين، وقد تكون الناقة فعلت ذلك تلقائيا لتھيئ لنفسھا مناخھا.
لكن عبدالل بن عمر لا يكاد يبلغ ھا المكان يوما حتى يدور بناقته، ثم ينيخھا، ثم يصلي ركعتين للله..
تماما كما رأى المشھد من قبل مع رسول الله..
ولقد أثار فرط اتباعه ھذا، أم المؤمنين عائشة رضي الله عنھا فقالت:
“ما كان أحد يتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم في منازله، كما كان يتبعه ابن عمر.”
ولقد قضى عمره الطويل المبارك على ھذا الولاء الوثيق، حتى لقد حاء على المسلمين زمان كان
صالحھم يدعو ويقول:
“اللھم أبق عبدالله بن عمر ما أبقيتني، كي أقتدي به، فاني لا أعلم أحد على الأمر الأول غيره.”
وبقوة ھذا التحري لشديد الويق لخطى لبرسول وسنته، كان ابن عمر يتھيّب الحديث عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم ولا يروي عنه عليه السلام حديثا الا اذا كان ذاكرا كل حروفه، حرفا.. حرفا.
وقد قال معاصروه..
“لم يكن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد أشد حذرا من ألا يزيد في حديث رسول الله
صلى الله عليه وسلم أو ينقص منه، من عبدالله بن عمر!!..”
وكذلك كان شديد الحذر ّ والتحوط في الفتيا..
جاءه يوما رجل يستفتيه، فلماألقى على ابن عمر سؤاله أجابه قائلا:
” لا علم لي بما تسأل عنه”
وذھب الرجل في سبيله، ولا يكاد يبتعد عن ابن عمر خطوات حتى يفرك ابن عمر كفه جذلان فرحا ويقول
لنفسه:
“سئل ابن عمر عما لا يعلم، فقال لا أعلم..”!
كان يخاف أن يجتھد في فتياه، فيخطئ في اجتھاده، وعلى الرغم من أنه يحيا وفق تعاليم الدين العظيم،
للمخطئ أجر وللمصيب أجرين، فان ورعه أن يسلبه ورعه كان يسلبه الجسارة على الفتيا.
وكذلك كان ينأى به عن مناصب القضاة..
لقد كانت وظيفة القضاء من أرقع مناصب الدولة والمجتمھع، وكانت تضمن لشاغرھا ثراء، وجاھا،
ومجدا..
ولكن ما حاجة ابن عمر الورع للثراء، وللجاه، وللمجد..؟!

دعاه يوما الخليفة عثمان رضي الله عنھما، وطلب اليه أن يشغل منصب القضاة، فاعتذر.. وألح عليه
عثمان، فثابر على اعتذاره..
وسأله عثمان: أتعصيني؟؟
فأجاب ابن عمر:
” كلا.. ولكن بلغني أن القضاة ثلاثة..
قاض يقضي بجھل، فھو في النار..
وقاض يقضي بھوى، فھو في النار..
وقاض يجتھد ويصيب، فھو كفاف، لا وزر، ولا أجر..
واني لسائلك باالله أن تعفيني..”
وأعفاه عثمان، بعد أن أخذ عليه العھد ألا يخبر أحدا بھذا.
ذلك أن عثمان يعلم مكانة ابن عمر في أفئدة الناس، وانه ليخشى اذا عرف الأتقياء الصالحون عزوفه
عن القضاء أن يتابعوا وينھجوا نھجه، وعندئذ لا يجد الخليفة تقيا يعمل قاضيا..
وقد يبدو ھذا الموقف لعبد الله بن عمر سمة من سمات السلبية.
بيد أنه ليس كذلك، فعبد الله بن عمر لم يمتنع عن القضاء وليس ھناك من يصلح له سواه.. بل ھناك
كثيرون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الورعين الصالحين، وكان بعضھم يشتغل بالقضاء
والفتية بالفعل..
ولم يكن في تخلي ابن عمر عنه تعطيل لوظيفة القضاء، ولا القاء بھا بين أيدي الذين لا يصلحون لھا..
ومن ّ ثم قد آثر البقاء مع نفسه، ّ ينميھا ويزكيھا بالمزيد من الطاعة، والمزيد من العبادة..
كما أنه في ذلك الحين من حياة الاسلام، كانت الدنيا قد فتحت على المسلمين وفاضت الأموال، وكثرت
المناصب والامارات.
وشرع اغراء المال والمناصب يقترب من بعض القلوب المؤمنة، مما جعل بعض أصحاب الرسول،
ومنھم ابن عمر، يرفعون راية المقاومة لھذا الاغراء باتخذھم من أنفسھم قدوة ومثلا في الزھد والورع
والعزوف عن المانصب الكبيرة، وقھر فتنتھا واغرائھا…
**
لقد كان ابن عمر،أخا الليل، يقومه مصليا.. وصديق السحر يقطعه مستغفرا وباكيا..
ولقد رأى في شبابه رؤيا، فسرھا الرسول تفسيرا جعل قيام الليل منتھى آمال عبدالله، ومناط غبطته
وحبوره..
ولنصغ اليه يحدثنا عن نبأ رؤياه:
“رأيت على عھد رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن بيدي قطعة استبرق، وكأنني لا أريد مكانا في الجنة
الا طارت بي اليه..
ورأيت كأن اثنين أتياني، وأرادا أن يذھبا بي الى النار، فتلقاھما ملك فقال: لا ترع، فخليّا عني..
فقصت حفصة – أختي- على النبي صلى الله عليه وسلم رؤياي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم
الرجل عبدالله، لو كان يصلي من الليل فيكثر..”
ومن ذلك اليوم والى أن لقي ربه، لم يدع قيام الليل في حله، ولا في ترحاله..
فكان يصلي ويتلو القرآن، ويذكر ربه كثيرا.. وكان كأبيه، تھطل دموعه حين يسمع آيات النذير في
القرآن.
يقول عبيد بن عمير: قرأت يوما على عبدالله بن عمر ھذه الآية:
(فكيف اذا جئنا من كل أمة بشھيد وجئنا بك على ھؤلاء شھيدا.يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول
لو ّ تسوى بھم الأرض ولا يكتمون الله حديثا..)
فجعل ابن عمر يبكي حتى نديت لحيته من دموعه.
وجلس يوما بين اخوانه فقرا:
(ويل للمطففين، الذين اذا اكتالوا على الناس يستوفون، واذا كالوھم أو وزنوھم يخسرون، ألا يظن أولئك
أنھم ميعوثون، ليوم عظيم، يوم يقوم الناس لرب العالمين..)
ثم مضى يردد الآية:
..(وم يقوم الناس لرب العالمين.)
ودموعه تسيل كالمطر. حتى وقع من كثرة وجده وبكائه..!!
**
ولقد كان جوده، وزھده، وورعه، تعمل معا في فن عظيم، لتشكل أروع فضائل ھذا الانسان العظيم..
فھو يعطي الكثير لأنه جواد..
ويعطي الحلال الطيب لأنه ورع..
ولا يبالي أن يتركه الجود فقيرا، لأنه زاھد!!..
وكان ابن عمر رضي الله عنه، من ذوي الدخول الرغيدة الحسنة، اذ كان تاجرا أمينا ناجحا شطر
حياته، وكان راتبه من بيت المال وفيرا.. ولكنه لم يدخر ھذا العطاء لنفسه قط، انما كان يرسله غدقا على
الفقراء، والمساكين والسائلبن..
يحدثنا أيوب بن وائل الراسبي عن أحد مكرماته، فيخبرنا أن ابن عمر جاءه يوما بأربعة آلافدرھم
وقطيفة..
وفي اليوم التالي، رآه أيوب بن وائل في السوق يشتري لراحلته علفا نسيئة – أي دينا- ..
فذھب ابن وائل الى أھل بيته وسالھم أليس قد أتى لأبي عبد الرحمن – يعني ابن عمر – بالأمس أربعة
آلاف،وقطيفة..؟
قالوا: بلى..
قال: فاني قد رأيته اليوم بالسوق يشتر علفا لراحلته ولا يجد معه ثمنه..
قالوا: انه لم يبت بالأمس حتى فرقھا جميعھا، ثم أخذ القطيفة وألقاھا على ظھره، خرج.. ثم عاد وليست
معه، فسألناه عنھتا. فقال: انه وھبھا لفقير!!..
فخرج ابن وائل يضرب كفا بكف. حتى أتى السوق فتوقل مكانا عاليا، وصاح في الناس:
” يا معشر التجار..
ما تصنعون بالدنيا، وھذا بن عمر تأتيه الف درھم فيوزعھا، ثم يصلح فيستدين علفا لراحلته..”؟؟!!
ألا ان من كان محمد أستاذه، وعمر أباه، لعظيم، كفء لكل عظيم!!..
ان وجود عبد الله بن عمر، وزھزد وورعه، ھذه الخصال الثلاثة، كانت تحكي لدى عبد الله صدق القدوة..
وصدق ّ البنوة..
فما كان لمن يمعن في التأسي برسول الله، حتى انه ليقف بناقته حيث رأى الرسول صلى الله عليه وسلم
يوقف ناقته. ويقول” لعل خفا يقع على خف!.”
والذي يذھب برأيه في برأبيه وتوقيره والاعجاب به الى المدى الذي كانت شخصية عمر تفرضه على
الأعداء، فضلا عن الأقرباء. فضلا عن الأبناء..
أقول ما ينبغي لمن ينتمي لھذا الرسول، ولھذا الوالد أن يصبح للمال عبدا..
ولقد كانت الأموال تاتيه وافرة كثيرة.. ولكنھا تمر به مرورا.. وتعبر داره عبورا..
ولم يكن جوده سبيلا الى الزھو، والا الى حسن الأحدوثة.
ومن ثم. فقد كان يخص به المحتاجين والفقراء.. وقلما كان يأكل الطعام وحده.. فلا بد أن يكون معه
أيتام، أو فقراء.. وطالما كان يعاتب بعض أبنائه، حين يولمون للأغنياء، ولا يأتون معھم بالفقراء،
ويقول لھم:
“تدعون الشباع. وتدعون الجياع!!..”
وعرف الفقراء عطفه، وذاقوا حلاوة بره وحنانه، فكانوا يجلسون في طريقه، كي يصحبھم الى داره
حين يراھم.. وكانوا يحفون به كما تحف أفواج النحل بالأزاھير ترتشف منھا الرحيق!..
**
لقد كان المال بين يديه خادما لا سيدا،،
وكان وسيلة لضروات العيش لا للترف..
ولم يكن ماله وحده، بل كان للفقراء فيه حق معلوم، بل حق متكافئ لا يتميز فيه بنصيب..
ولقد أعانه على ھذا الجود الواسع زھده.. فما كان ابن عمر يتھالك على الدنيا، ولا يسعى اليھا، بل ولا
رجو منھا الا كا يستر الجسد من لباس، ويقيم الأود من الطعام..
أھداه أحد اخوانه القادمين من خراسان حلة ناعمة أنيقة، وقال له:
لقد جئتك بھذا الثوب من خراسان، وانه لتقر عيناي، اذ أراك تنزع عنك ثيابك الخشنة ھذه، وترتدي ھذا
الثوب الجميل..
قال له ابن عمر: أرنيه اذن..
ثم لمسه وقال: أحرير ھذا.؟
قال صاحبه: لا .. انه قطن.
وتملاه عبد الله قليلا، ثم دفعه بيمينه وھويقول”:لا.اني أخاف على نفسي.. أخاف ان يجعلني مختالا
فخورا.. والله لا يحب كل مختال فخور..”!!
وأھداه يوما صديقا وعاء مملوءا..
وسأله ابن عمر: ما ھذا؟
قال: ھذا دواء عظيم جئتك به من العراق.
قال ابن عمر: وماذا يطبب ھذا الدواء..؟؟
قال: يھضم الطعام..
فالتسم ابن عمر وقال لصاحبه”: يھضم الطعام..؟ اني لم أشبع من طعام قط منذ أربعين عاما!!.”
ان ھذا الذي لم يشبع من الطعام منذ أربعين عاما، لم يكنيترك الشبع خصاصة، بلزھدا وورعا،
ومحاولة للتاسي برسوله وأبيه..
كان يخاف أن يقال له يوم القيامة:
(أذھبتم طيّباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بھا..)
وكان يدرك انه في الدنيا ضيف أو عابر شبيل..
ولقد تحدث عن نفسه قائلا:
“ما وضعت لبنة على لبنة، ولا غرست نخلة منذ توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم..”
ويقول ميمون بن مھران:
” دخلت على ابن عمر، ّ فقومت كل شيء في بيته من فراش، ولحاف وبساط. ومن كل شيء فيه، فما
وجدته تساوي مئة ردھم”!!..
لم يكن ذلك عن فقر.ز قد كان ابن عمر ثريا..
ولا كان ذلك عن بخل فقد كان ّ جودا سخيا..
زامكا كان عن زھد في الدنيا، وازدراء للترف، والتزام لمنھجه في الصدق والورع..
ولقد ّ عمر ابن عمر طويلا، وعاش في العصر الأموي الذي فاضت فيھا لأموال وانتشرت الضياع، وغطى
البذخ أكث الدور.. بل قل أكثر القصور..
ومع ھذا، بقي ذلك الطود الجليل شامخا ثابتا، لا يبرح نھجه ولا يتخلى عن ورعه وزھده.
واذا ّ ذكر بحظوظ الدنيا ومتاعھا التي يھرب منھا قال:
“لقد اجتمعت وأصحابي على أمر، واني أخاف ان خالفتھم ألا ألأحق بھم..”
ثم يعلم الآخرين أنه لم يترك دنياھم عجزا، فيرفع يده الى السماء ويقول:
“اللھم انك تعلم أنه لولا مخافتك لزاحمنا قومنا قريشا في ھذه الدنيا.”
**
أجل.. لولا مخافة ربه لزاحم في الدنيا، ولكان من الظافرين..
بل انه لم يكن بحاجة الى أن يزاحم، فقد كانت الدنيا تسعى اليه وتطارده بطيباتھا ومغرياتھا..
وھل ھناك كمنصب الخلافة اغراء..؟
لقد عرض على ابن عمر مرات وھو يعرض عنه.. وھدد بالقتل ان لم يقبل. فازداد له رفضا، وعنه
اعراضا!!..
يقول الحسن رضي الله عنه:
” لما قتل عثمان بن عفان، قالوا لعبد الله بن عمر: انك سيّد الناس، وابن سيد الناس، فاخرج نبايع لك
الناس..
قال: ان والله لئن استطعت، لا يھراق بسببي محجمة من دم..
قالوا: لتخرجن، أ، لنقتلنكك على فراشك.. فأعاد عليھم قوله الأول..
فأطمعوه.. ّ وخوفوه.. فما استقبلوا منه شيئا!!..”
وفيما بعد.. وبينما الزمان يمر، والفتن تكثر، كان ابن عمر دوما ھو الأمل، فيلح الناس عليه، كي يقبل
منصب الخلافة، ويجيئوا له بالبيعة، ولكنه كان دائما يأبى..
ولقد يشكل ھذا الرفض مأخذا يوجه الى ابن عمر..
بيد أن كان له منطقه وحجته.فبعد مقتل عثمان رضي الله عنه، ساءت الأمور وتفاقمت على نحو ينذر
بالسوء والخطر..
وابن عمر وان يك زاھدا في جاه الخلافة، فانه يتقبل مسؤلياتھا ويحمل أخطارھا، ولكن شريطة أن
يختاره جميع المسلمين طائين، مختارين، أما أن يحمل واحد لا غير على بيعته بالسيف، فھذا ما يرفضه،
ويرفض الخلافة معه..
وآنئذ، لم يكن ذلك ممكنا.. فعلى الرغم من فضله، واجماع المسلمين على حبه وتوقيره، فان اتساع
الأمصار، وتنائبھا، والخلافات التي احتدمت بين المسلمين، وجعلتھم شيعا تتنابذ بالحرب، وتتنادى
للسيف، لم يجعل الجو مھيأ لھذا الاجماع الذي يشترطه عبدالله بن عمر..
لقيه رجل يوما فقال له: ما أحد شر لأمة محمد منك.!.
قال ابن عمر: ولم..؟ فوالله ما سفكت دماءھم، ولا فرقت جماعتھم، ولا شققت عصاھم..
قال الرجل: انك لو شئت ما اختلف فيك اثنان..
قال ابن عمر: ما أحب أنھا أتتني، ورجل يقول: لا، وآخر يقول: نعم.
وحتى بعد أن سارت الأحداث شوطا طويلا، واستقر الأمر لمعاوية.. ثم لابنه يزيد من بعده.ز ثم ترك
معاوية الثاني ابن يزيد الخلافة زاھدا فيھا بعد أيام من توليھا..
حتى في ذلك اليوم، وابن عمر شيخ مسن كبير، كان لا يزال أمل الناس، وأمل الخلافة.. فقد ذھب اليه
مروان قال له:
ھلم يدك نبايع لك، فانك سيد العرب وابن سيدھا..
قال له ابن عمر: كيف نصنع بأھل المشرق..؟
قال مروان: نضربھم حتى يبايعوا..
قال ابن عمر”:والله ما أحب أنھا تكون لي سبعين عاما، ويقتل بسببي رجل واحد!!..”
فانصرف عنه مروان وھو ينشد:
اني أرى فتنة تغلي مراجلھا والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا
يعني بأبي ليلى، معاوية بن يزيد…
**
ھذا الرفض لاستعمال القوة والسيف، ھو الذي جعل ابن عمر يتخذ من الفتنة المسلحة بين أنصار علي
وأنصار معاوية، موقف العزلة والحياد جاعلا شعاره ونھجه ھذه الكلمات:
“من قال حي على الصلاة أجبته..
ومن قال حي على الفلاح أجبته..
ومن قال حي على قتل أخيك المسلم واخذ ماله قلت: لا!!.”
ولكنه في عزلته تلك وفي حياده، لا يماليء باطلا..
فلطالما جابه معاوية وھو في أوج سلطانه يتحديات أوجعته وأربكته..
حتى توعده بالقتل، وھو القائل”: لو كان بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت!!..”
وذات يوم، وقف الحجاج خطيبا، فقال”: ان ابن الزبير ّ حرف كتاب الله!”
فصاح ابن عمر في وجھه”: كذبت، كذبت، كذبت.”
وسقط في يد الحجاج، وصعقته المفاجأة، وھو الذي يرھبه كل شيء، فمضى يتوعد ابن عمر ّ بشر
جزاء..
ولوذح ابن عمر بذراعه في وجه الحجاج، وأجابه الناس منبھرون”: ان تفعل ما تتوعد به فلا عجب،
فانك سفيه متسلط!!..”
ولكنه برغم قوته وجرأته ظل الى آخر أيامه، حريصا على ألا يكون له في الفتنة المسلحة دور ونصيب،
رافضا أن ينحاز لأي فريق…
يقول أبو العالية البراء:
” كنت أمشي يوما خلف ابن عمر، وھو لا يشعر بي، فسمعته يقول لنفسه:
” واضعين سيوفھم على عواتقھم، يقتل بعضھم بعضا يقولون: يا عبد الله بن عمر، أعط يدك..”؟!
وكان ينفجر أسى وألما، حين يرى دماء المسلمين تسيل بأيديھم!!..
ولو استطاع أن يمنع القتال، ويصون الدم لفعل، ولكن الأحداث كانت أقوى منه فاعتزلھا.
ولقد كان قلبه مع علي رضي الله عنه، بل وكان معه يقينه فيما يبدو، حتى لقد روي عنه أنه قال في
أخريات أيامه:
” ما أجدني آسى على شيء فاتني من الدنيا الا أني لم أقاتل مع ّ علي، الفئة الباغية!!..”
على أنه حين رفض أن يقاتل مع الامام علي الذي كان الحق له، وكان الحق معه، فانه لم يفعل ذلك
ھربا، والا التماسا للنجاة.. بل رفضا للخلاف كله، والفتنة كلھا، وتجنبا لقتال لا يدو بين مسلم ومشرك،
بل بين مسلمين يأكل بعضھم بعضا..
ولقد أوضح ذلك تماما حين سأله نافع قال”: يا أبا عبد الرحمن، أنت ابن عم.. وأنت صاحب رسول الله
صلى الله عليه وسلم، وأنت وأنت، فما يمنعك من ھذا الأمر_ يعني نصرة علي_؟؟
فأجابه قائلا:
” يمنعني أن الله تعالى ّ حرم ّ علي دم المسلم، لقد قال عز وجل: (قاتلوھم حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين)..
ولقد فعلنا وقاتلنا المشركين حتى كان الدين الله،اما اليوم. فيم نقاتل..؟؟
لقد قاتلت الأوثان تملأ الحرم.. من الركن الى الباب، حتى نضاھا الله من أرض العرب..
أفأقاتل اليوم من يقول لا اله الا الله.”؟!
ھكذا كان منطقه، وكانت حجته، وكان اقتناعه..
فھو اذن لم يتجنب القتال ولم يشترك فيه، لاھروبا، أ، سلبية، بل رفضا لاقرار حرب أھلية بين الأمة
المؤمنة، واستنكافا على أن يشھر مسلم في وجه مسلم سيفا..
ولقد عاش عبد الله بن عمر طويلا.. وعاصر الأيام التي فتحت أبواب الدنيا على المسلمين، وفاضت
الأموال، وكثرت المناصب، واستشرت المطامح والرغبات..
لكن قدرته النفسية الھائلة، غيّرت كيمياء الومن!!.. فجعلت عصر الطموح والمال والفتن.. جعلت ھذا
العصر بالنسبة اليه، أيام زھد، وورع ويلام، عاشھا المثابر الأواب بكل يقينه، ونسكه وترفعه.. ولم يغلب
قط على طبيعته الفاضلة التي صاغھا وصقلھا الاسلام في أيامه الأولى العظيمة الشاھقة..
لقد تغيّرت طبيعة الحياة، مع بدء العصر الأموي، ولم يكن ّ ثمة مفر من ذلك التغيير.. وأصبح العصر
يومئذ، عصر توسع في كل شيء.. توسع لم تستجب اليه مطامح الدولة فحسب، بل ومطامح الجماعة
والأفراد أيضا.
ووسط لجج الاغراء، وجيشان العصر المفتون بمزايا التوسع، وبمغانمه، ومباھجه، كان ابن عمر يعيش
مع فضائله، في شغل عن ذلك كله بمواصلة تقدمه الروحي العظيم.
ولقد أحرز من أغراض حياته الجليلة ما كان يرجو حتى لقد وصفه معاصروعه فقالوا:
( مات ابن عمر وھو مثل عمر في الفضل)
بل لقد كان يطيب لھم حين يبھرھم ألق فضائله، أن يقارنوا بينه وبين والده العظيم عمر.. فيقولون:
( كان عمر في زمان له فيه نظراء، وكان ابن عمر في زمان ليس فيه نظير..)!!
وھي مبالغة يغفرھا استحقاق ابن عمر لھا، أما عمر فلا يقارن بمثله أحد.. وھيھات أن يكون له في كل
عصور الزمان نظير..
**
وفي العام الثاث والسبعين للھجرة.. مالت الشمس للمغيب، ورفعت احدى سفن الأبدية مراسيھا، مبحرة
الى العالم الآخر والرفيق الأعلى، حاملة جثمان آخر ممثل لعصر الوحي _في مكة والمدينة_ عبد الله بن
عمر بن الخطاب. كان آخر الصحابة رحيلا عن الدنيا كلھا أنس بن مالك رضي الله عنه، توفي بالبصرة،
عام واحد وتسعين، وقيل عام ثلاث وتسعين

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.