رجال حول الرسول صلى الله عليه وسلم: بلال بن رباح

2019-05-10T13:30:18+01:00
2019-05-10T13:30:26+01:00
الإفتتاحية
عبدالصمد تاغي10 مايو 2019آخر تحديث : منذ 4 أشهر
رجال حول الرسول صلى الله عليه وسلم: بلال بن رباح
رابط مختصر

بلال بن رباح
الساخر من الأھوال


كان عمر بن الخطاب، اذا ذكر أبو بكر قال:
” أبو بكر سيدنا وأعتق سيّدنا..”
يعني بلالا رضي الله عنه..
وان رجلا يلقبه عمر بسيدنا ھو رجل عظيم ومحظوظ..
لكن ھذا الرجل الشديد السمرة، النحيف الناحل، المفرط الطول الكث الشعر، الخفيف العارضين، لم يكن
يسمع كلمات المدح والثناء توجه اليه، وتغدق عليه، الا ويحني رأسه ويغض طرفه، ويقول وعبراته
على وجنتيه تسيل:
“انما أنا حبشي.. كنت بالأمس عبدا!!..”
فمن ھذا الحبشي الذي كان بالأمس عبدا!!..
انه “بلال بن رباح” مؤذن الاسلام، ومزعج الأصنام..
انه احدى معجزات الايمان والصدق.
احدى معجزات الاسلام العظيم..
في كل عشرة مسلمين. منذ بدأ الاسلام الى اليوم، والى ما شاء الله سنلتقي بسبعة على الأقل يعرفون
بلالا..
أي أن ھناك مئات الملايين من البشر عبر القرون والأجيال عرفوا بلالا، وحفظوا اسمه، وعرفوا دوره.
تماما كما عرفوا أعظم خليفتين في الاسلام: أبي بكر وعمر!!…
وانك لتسأل الطفل الذي لا يزال يحبو في سنوات دراسته الأولى في مصر، أ، باكستان، أ، الصين..
وفي الأمريكيتين، وأوروبا وروسيا..
وفي تاعراق ، وسوريا، وايران والسودان..
في تونس والمغرب والجزائر..
في أعماق أفريقيا، وفوق ھضاب آسيا..
في كل يقعة من الأرض يقتنھا مسلمون، تستطيع أن تسأل أي طفل مسلم: من بلال يا غلام؟
فيجيبك: انه مؤذن الرسول.. وانه العبد الذي كان سيّده يعذبه بالحجارة ّ المستعرة ّ ليرده عن دينه، فيقول:
“أحد.. أحد”..
وحينما تبصر ھذا الخلود الذي منحه الاسلام بلالا.. فاعلم أن بلال ھذا، لم يكن قبل الاسلام أكثر من عبد
رقيق، يرعى ابل سيّده على حفنات من التمر، حتى يطو به الموت، ّ ويطوح به الى أعماق النسيان..
لكن صدق ايمانه، وعظمة الدين الذي آمن به بوأه في حياته، وفي تاريخه مكانا عليّا في الاسلام بين
العظماء والشرفاء والكرماء…
ان كثيرا من عليّة البشر، وذوي الجاه والنفوذ والثروة فيھم، لم يظفروا بمعشار الخلود الذي ظفر به
بلال العبد الحبشي!!..
بل ان كثيرا من أبطال التاريخ لم ينالوا من الشھرة التاريخية بعض الذي ناله بلال..
ان سواد بشرته، وتواضع حسبه ونسبه، وھوانه على الانس كعبد رقيق، لم يحرمه حين آثر الاسلام
دينا، من أن يتبوأ المكان الرفيع الذي يؤھله له صدقه ويقينه، وطھره، وتفانيه..
ان ذلك كله لم يكن له في ميزان تقييمه وتكريمه أي حساب، الا حساب الدھشة حين توجد العظمة في
غير مظانھا..
فلقد كان الناس يظنون أن عبدا مثل بلال، ينتمي الى أصول غريبة.. ليس له أھل، ولا حول، ولا يملك من
حياته شيئا، فھو ملك لسيّده الذي اشتراه بماله.. يروح ويغدو وسط شويھات سيده وابله وماشيته..
كانوا يظنون أن مثل ھذا الكائن، لا يمكن أن يقدر على شيء ولا أن يكون شيئا..
ثم اذا ھو يخلف الظنون جميعا، فيقدر على ايمان، ھيھات أن يقدر على مثله سواه.. ثم يكون أول مؤذن
للرسول والاسلام العمل الذي كان يتمناه لنفسه كل سادة قريش وعظمائھا من الذين أسلموا واتبعوا
الرسول!!..
أجل.. بلال بن رباح!
أيّة بطولة.. وأيّة عظمة تعبر عنھا ھذه الكلمات الثلاث بلال ابن رباح..؟!
**
انه حبشي من أمة السود… جعلته مقاديره عبدا لأناس من بني جمح بمكة، حيث كانت أمه احدى
امائھم وجواريھم..
كان يعيش عيشة الرقيق، تمضي أيامه متشابھة قاحلة، لا حق له في يومه، ولا أمل له في غده..!!
ولقد بدأت أنباء محمد تنادي سمعه، حين أخذ الانس في مكة يتناقلونھا، وحين كان يصغي الى أحاديث
ساداته وأضيافھم، سيما “أمية بن خلف” أحد شيوخ بني جمح القبيلة التي كان بلال أحد عبيدھا..
لطالما سمع أمية وھو ّ يتحدث مع أصدقائه حينا، وأفراد قبيلته أحيانا عن الرسول حديثا يطفح غيظا،
ّ وغما وشرا..
وكانت أذن بلال تلتقط من بين كلمات الغيظ المجنون، الصفات التي تصور له ھذا الدين الجديد.. وكان
يحس أنھا صفات جديدة على ھذه البيئة التي يعيش فيھا.. كما كانت أذنه تلتقط من خلال أحاديثھم
الراعدة المتوعدة اعترافھم بشرف محمد وصدقه وأمانته!!..
أجل انه ليسمعھم يعجبون، ويحارون، في ھذا الذي جاء به محمد!!..
ويقول بعضھم لبعض: ما كان محمد يوما كاذبا. ولا ساحرا..ولا مجنونا.. وان ام يكن لنا بد من وصمه
اليوم بذلك كله، حتى ّ نصد عنه الذين سيسارعون الى دينه!!..
سمعھم ّ يتحدثون عن أمانته..
عن وفائه..
عن رجولته وخلقه..
عن نزاھته ورجاحة عقله..
وسمعھم يتھامسون بالأسباب التي تحملھم على ّ تحدي وعداوته، تلك ھي: ولاؤھم لدين آبائھم أولا.
والخوف على مجد قريش ثانيا، ذلك المجد الذي يفيئه عليھا مركزھا الديني، كعاصمة للعبادة والنسك في
جزيرة العرب كلھا، ثم الحقد على بني ھاشم، أن يخرج منھم دون غيرھم نبي ورسول!…
**
وذات يوم يبصر بلال ب رباح نور الله، ويسمع في أعماق روحه الخيّرة رنينه، فيذھب الى رسول الله
صلى الله عليه وسلم، ويسلم..
ولا يلبث خبر اسلامه أن يذيع.. وتدور الأرض برؤوس أسياده من بني جمح.. تلك الرؤوس التي نفخھا
الكبر وأثقلھا الغرور!!.. وتجثم شياطين الأرض فوق صدر أميّة بن خلف الذي رأى في اسلام عبد من
عبيدھم لطمة جللتھم جميعا بالخزي والعار..
عبدھم الحبشي يسلم ويتبع محمد..؟!
ويقول أميّة لنفسه: ومع ھذا فلا بأس.. ان شمس ھذا اليوم لن تغرب الا ويغرب معھا اسلام ھذا العبد
الآبق!!..
ولكن الشمس لم تغرب قط باسلام بلال بل غربت ذات يوم بأصنام قريش كلھا، وحماة الوثنية فيھا!…
**
أما بلال فقد كان له موقف ليس شرفا للاسلام وحده، وان كان الاسلام أحق به، ولكنه شرف للانسانية
جميعا..
لقد صمد لأقسى الوان التعذيب صمود البرار العظام.
ولكأنما جعله الله مثلا على أن سواد البشرة وعبودية الرقبة لا ينالان من عظمة الروح اذا وجدت
ايمانھا، واعتصمت بباريھا، وتشبثت بحقھا..
لقد أعطى بلال درسا بليغا للذين في زمانه، وفي كل مان، للذين على دينه وعلى كل دين.. درسا فحواه
أن حريّة الضمير وسيادته لا يباعان بملء الأرض ذھبا، ولا بملئھا عذابا..
لقد وضع عريانا فوق الجمر، على أن يزيغ عن دينه، أو يزيف اقتناعه فأبى..
لقد جعل الرسول عليه الصلاة والسلام، والاسلام، من ھذا العبد الحبشي المستضعف أستاذا للبشرية
كلھا في فن احترام الضمير، والدفاع عن حريته وسيادته..
لقد كانوا يخرجون به في الظھيرة التي تتحول الصحراء فيھا الى جھنم قاتلة.. فيطرحونه على حصاھا
الماتھب وھو عريان، ثم يأتون بحجر مستعر كالحميم ينقله من مكانه بضعة رجال، ويلقون به فوق
جسده وصدره..
ويتكرر ھذا العذاب الوحشي كل يوم، حتى رقّت لبلال من ھول عذابه بعض قلوب جلاديه، فرضوا آخر
الأمر أن يخلوا سبيله، على أن يذكر آلھتھم بخير ولو بكلمة واحدة تحفظ لھم كبرياءھم، ولا تتحدث
قريش أنھم انھزموا صاغرين أمام صمود عبدھم واصراره..
ولكن حتى ھذه الكلمة الواحدة العابرة التي يستطيع أن يلقيھا من وراء قلبه، ويشتري بھا حياته نفسه،
دون أن يفقد ايمانه، ويتخلى عن اقتناعه..
حتى ھذه الكلمة الواحدة رفض بلال أن يقولھا.!.
نعم لقد رفض أن يقولھا، وصار يردد مكانھا نشيده الخالد”:أحد أحد”
يقولون له: قل كما نقول..
فيجيبھم في تھكم عجيب وسخرية كاوية:

“ان لساني لا يحسنه!!..”
ويظل بلال في ذوب الحميم وصخره، حتى اذا حان الأصيل أقاموه، وجعلوا في عنقه حبلا، ثم أمروا
صبيانھم أن يطوفوا به جبال مكة وشوارعھا. وبلال لا يلھج لسانه بغير نشيده المقدس”: أحد أحد.”
وكأني اذا ّ جن عليھم الليل يساومونه:
غدا قل كلمات خير في آلھتنا، قل ربي اللات والعزى، لنذرك وشأتك، فقد تعبنا من تعذيبك، حتى لكأننا
نحن المعذبون!
فيھز رأسه ويقول”: أحد.. أحد.”..
ويلكزه أمية بن خلف وينفجر ّ غما وغيظا، ويصيح: أي شؤم رمانا بك يا عبد السوء..؟واللات والعزى
لأجعلنك للعبيد والسادة مثلا.
ويجيب بلال في يقين المؤمن وعظمة القديس:
“أحد.. أحد”..
ويعود للحديث والمساومة، من وكل اليه تمثيل دور المشفق عليه، فيقول:
خل عنك يا أميّة.. واللات لن يعذب بعد اليوم، ان بلالا منا أمه جاريتنا، وانه لن يرضى أن يجعلنا باسلامه
حديث قريش وسخريّتھا..
ّ ويحدق بلال في الوجوه الكاذبة الماكرة، ويفتر ثغره عن ابتسامة كضوء الفجر، ويقول في ھدوء
يزلزلھم زلزالا:
“أحد.. أحد”..
وتجيء الغداة وتقترب الظھيرة، ويؤخذ بلال الى الرمضاء، وھو صابر محتسب، صامد ثابت.
ويذھب اليھم أبو بكر الصديق وھو يعذبونه، ويصيح بھم:
)أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله(؟؟
ثم يصيح في أميّة بن خلف: خذ أكثر من ثمنه واتركه حرا..
وكأنما كان أمية يغرق وأدركه زورق النجاة..
لقد طابت نفسه وسعدت حين سمع أبا بكر يعرض ثمن تحريره اذ كان اليأس من تطويع لال قد بلغ في
في نفوسھم أشده، ولأنھم كانوا من التجار، فقد أردكوا أن بيعه أربح لھم من موته..
باعوه لأبي بكر الذي ّ حرره من فوره، وأخذ بلال مكانه بين الرجال الأحرار…
وحين كان ّ الصديق يتأبط ذراع بلال منطلقا به الى الحرية قال له أمية:
خذه، فواللات والعزى، لو أبيت الا أن تشتريه بأوقية واحدة لبعتكه بھا..
وفطن أبو بكر لما في ھذه الكلمات من مرارة اليأس وخيبة الأمل وكان حريّا بألا يجيبه..
ولكن لأن فيھا مساسا بكرامة ھذا الذي قد صار أخا له، ّ وندا،أجاب أمية قائلا:
والله لو أبيتم أنتم الا مائة أوقية لدفعتھا!!..
وانطلق بصاحبه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشره بتحريره.. وكان عيدا عظيما!
وبعد ھجرة الرسول والمسلمين الى المدينة، واستقرارھم بھا، ّ يشرع الرسول للصلاة أذانھا..

فمن يكون المؤذن للصلاة خمس مرات كل يوم..؟ وتصدح عبر الأفق تكبيراته وتھليلاته..؟
انه بلال.. الذي صاح منذ ثلاث عشرة سنة والعذاب ّ يھده ويشويه أن: “الله أحد..أحد.”
لقد وقع اختيار الرسول عليه اليوم ليكون أول مؤذن للاسلام.
وبصوته ّ الندي ّ الشجي مضى يملأ الأفئدة ايمانا، والأسماع روعة وھو ينادى:
الله أكبر.. الله أكبر
الله أكبر .. الله أكبر
أشھد أن لااله الا الله
أشھد أن لا اله الا الله
أشھد أن محمدا رسول الله
أشھد أن محمدا رسول الله
حي على الصلاة
حي على الصلاة
حي على الفلاح
حي على الفلاح
الله أكبر.. الله أكبر
لااله الا الله…
ونشب القتال بين المسلمين وجيش قريش الذي قدم الى المدينة غازيا..
وتدور الحرب عنيفة قاسية ضارية..وبلال ھناك يصول ويجول في أول غزوة يخوضھا الاسلام، غزوة
بدر.. تلك الغزوة التي أمر الرسول عليه السلام أن يكون شعارھا: “أحد..أحد.”
**
في ھذه الغزوة ألقت قريش بأفلاذ أكبادھا، وخرج أشرافھا جميعا لمصارعھم.!!.
ولقد ّ ھم بالنكوص عن الخروج “أمية بن خلف” .. ھذا الذي كان سيدا لبلال، والذي كان يعذبه في
وحشيّة قاتلة..
ّ ھم بالنكوص لولا أن ذھب اليه صديقه “عقبة بن أبي معيط” حين علم عن نبأ تخاذله وتقاعسه، حاملا
في يمينه مجمرة حتى اذا واجھه وھو جالس وسط قومه، ألقى الجمرة بين يديه وقال له: يا أبا علي،
استجمر بھبذ، فانما أنت من النساء!!!..
وصاح به أمية قائلا: قبحك الله، وقبّح ما جئت به..
ثم لم يجد ّ بدا من الخروج مع الغزاة فخرج..
أيّة أسرار للقدر، يطويھا وينشرھا..؟
لقد كان عقبة بن أبي معيط أكبر مشجع لأمية على تعذيب بلال، وغير بلال من المسلمين المستضعفين..
واليوم ھو نفسه الذي يغريه بالخروج الى غزوة بدر التي سيكون فيھا مصرعه!!..
كما سيكون فيھا مصرع عقبة أيضا!

لقد كان أمية من القاعدين عن الحرب.. ولولا تشھير عقبة به على ھذا النحو الذي رأيناه لما خرج!!..
ولكن الله بالغ أمره، فليخرج أمية فان بينه وبين عبد من عباد الله حسابا قديما، جاء أوان تصفيته،
فالديّان لا يموت، وكما تدينون تدانون!!..
وان القدر ليحلو له أن يسخر بالجبارين.. فعقبة الذي كان أمية يصغي لتحريضه، ويسارع اى ھواه في
تعذيب المؤمنين الأبرياء، ھو نفسه الذب سيقود أميّة الى مصرعه..
وبيد من..؟
بيد بلال نفسه.. وبلال وحده!!
نفس اليد التي ّ طوقھا أميّة بالسلاسل، وأوجع صاحبھا ضربا، وعذابا..
مع ھذه اليد ذاتھا، ھي اليوم، وفي غزوة بدر، على موعد أجاد القدر توقيته، مع جلاد قريش الذي أذل
المؤمنين بغيا وعدوا..
ولقد حدث ھذا تماما..
وحين بدأ القتال بين الفريقين، وارتج جانب المعركة من قبل المسلمين بشعارھم”: أحد.. أحد” انخلع
قلب أمية، وجاءه النذير..
ان الكلمة التي كان يرددھا بالأمس عبد تحت وقع العذاب والھول قد صارت اليوم شعار دين بأسره
وشعار الأمة الجديدة كلھا!!..
“أحد..أحد”؟؟!!
أھكذا..؟ وبھذه السرعة.. وھذا النمو العظيم..؟؟
**
وتلاحمت السيوف وحمي القتال..
وبينما المعركة تقترب من نھايتھا، لمح أمية بن خلف” عبد الرحمن بن عوف” صاحب رسول الله،
فاحتمى به، وطلب اليه أن يكون أسيره رجاء أن يخلص بحياته..
وقبل عبد الرحمن عرضه وأجاره، ثم سار به وسط العمعمة الى مكان السرى.
وفي الطريق لمح بلال فصاح قائلا:
“رأس الكفر أميّة بن خلف.. لا نجوت ان نجا.”
ورفع سيفه ليقطف الرأس الذي لطالما أثقله الغرور والكبر، فصاح به عبد الرحمن بن عوف:
“أي بلال.. انه أسيري.”
أسير والحرب مشبوبة دائرة..؟
أسير وسيفه يقطر دما مما كان يصنع قبل لحظة في أجساد المسلمين..؟
لا.. ذلك في رأي بلال ضحك بالعقول وسخرية.. ولقد ضحك أمية وسخر بما فيه الكفاية..
سخر حتى لم يترك من السخرية بقية يدخرھا ليوم مثل ھذا اليوم، وھذا المأزق، وھذا المصير!!..
ورأى بلال أنه لن يقدر وحده على اقتحام حمى أخيه في الدين عبد الرحمن بن عوف، فصاح بأعلى
صوته في المسلمين:

“يا أنصار الله.. رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت ان نجا!…”
وأقبلت كوكبة من المسلمين تقطر سيوفھم المنايا، وأحاطت بأمية وابنه ولم يستطع عبد الرحمن بن
عوف أن يصنع شيئا.. بل لم يستطع أن يحمي أذراعه التي بددھا الزحتم.
وألقى بلال على جثمان أمية الذي ھوى تحت السيوف القاصفة نظرة طويلة، ثم ھرول عنه مسرعا
وصوته ّ الندي يصيح:
“أحد.. أحد”..
**
لا أظن أن من حقنا أن نبحث عن فضيلة التسامح لدى بلال في مثل ھذا المقام..
فلو أن اللقاء بين بلال وأمية ّ تم في ظروف أخرى، لجازنا أن نسال بلالا حق التسامح، وما كان لرجل في
مثل ايمانه وتقاه أن يبخل به.
لكن اللقاء الذي تم بينھما، كان في حرب، جاءھا كل فريق ليفني غريمه..
السيوف تتوھج.. والقتلى يسقطون.. والمنايا تتواثب، ثم يبصر بلال أمية الذي لم يترك في جسده
موضع أنملة الا ويحمل آثار تعذيب.
وأين يبصره وكيف..؟
يبصره في ساحة الحرب والقتال يحصد بسيفه كل ما يناله من رؤوس المسلمين، ولو أدرك رأس بلال
ساعتئذ ّ لطوح به..
في ظروف كھذه يلتقي الرجلان فيھا، لا يكون من المنطق العادل في شيء أن نسأل بلالا: لماذا لم يصفح
الصفح الجميل..؟؟
**
وتمضي الأيام وتفتح مكة..
ويدخلھا الرسول شاكرا مكبرا على رأس عشرة آلاف من المسلمين..
ويتوجه الى الكعبة رأسا.. ھذا المكان المقدس الذي زحمته قريش بعدد أيام السنة من الأصنام!!..
لقد جاء الحق وزھق الباطل..
ومن اليوم لا عزى.. ولا لات.. ولا ھبل.. لن يجني الانسان بعد اليوم ھامته لحجر، ولا وثن.. ولن يعبد
الناس ملء ضمائرھم الا الله الي ليس كمثله شيء، الواحد الأحد، الكبير المتعال..
ويدخل الرسول الكعبة، مصطحبا معه بلال!..
ولا يكاد يدخلھا حتى يواجه تمثالا منحوتا، يمثل ابراھيم عليه السلام وھو يستقسم بالأزلام، فيغضب
الرسول ويقول:
“قاتلھم الله..
ما كان شيخنا يستقسم بالأزلام.. ما كان ابراھيم يھوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من
المشركين.”
ويأمر بلال أن يعلو ظھر المسجد، ويؤذن.
ويؤذن بلال.. فيالروعة الزمان، واملكان، والمناسبة!!..
كفت الحياة في مكة عن الحركة، ووقفت الألوف المسلمة كالنسمة الساكنة، تردد في خشوع وھمس
كلمات الآذان ورء بلال.
والمشركون في بيوتھم لا يكادون يصدقون:
أھذا ھو محمد وفقراؤه الذين أخرجوا بالأمس من ھذا الديار..؟؟
أھذا ھو حقا، ومعه عشرة آلاف من المؤمنين..؟؟
أھذا ھو حقا الذي قاتلناه، وطاردنبه، وقتلنا أحب الناس اليه..؟
أھذا ھو حقا الذي كان يخاطبنا من لحظات ورقابنا بين يديه، ويقول لنا:
“اذھبوا فأنتم الطلقاء..”!!
ولكن ثلاثة من أشراف قريش، كانوا جلوسا بفناء الكعبة، وكأنما يلفحھم مشھد بلال وھو يدوس
أصنامھم بقدميه، ويرسل من فوق ركامھا المھيل صوته بالأذان المنتشر في آفاق مكة كلھا كعبير
الربيع..
أما ھؤلاء الثلاثة فھم، أبوسفيان بن حرب، وكان قد أسلم منذ ساعات، وعتّاب بن أسيد، والحارث بن
ھشام، وكانا لم يسلما بعد.
قال عتاب وعينه على بلال وھو يصدح بأذانه:
لقد أكرم الله اسيدا، ألا يكون سمع ھذا فيسمع منه ما يغيظه. وقال الحارث:
أما والله لو أعلم أن محمدا محق لاتبعته!!..
وعقب أبو سفيان الداھية على حديثھما قائلا:
اني لا أقول شيئا، فلو تكلمت لأخبرت عني ھذه الحصى!! وحين غادر النبي الكعبة رآھم، وقرأ وجوھھم
في لحظة، قال وعيناه تتألقان بنور الله، وفرحة النصر:
قد علمت الذي قلتم..!!!
ومضى يحدثھم بما قالوا..
فصاح الحارث وعتاب:
نشھد أنك رسول الله، والله ما سمعنا أحد فنقول أخبرك!!..
واستقبلا بلال بقلوب جديدة..في أفئدتھم صدى الكلمات التي سمعوھا في خطاب الرسول أول دخول مكة:
” يامعشر قريش..
ان الله قد أذھب عنكم نخوة الجاھلية وتعظمھا بالآباء..
الناس من آدم وآدم من تراب..”
**
وعاش بلال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يشھد معه المشاھد كلھا، يؤذن للصلاة، ويحيي
ويحمي شعائر ھذا الدين العظيم الذي أخرجه من الظلمات الى النور، ومن الرق الى الحريّة..
وعلا شأن الاسلام، وعلا معه شأن المسلمين، وكان بلال يزداد كل يوم قربا من قلب رسول الله صلى الله
عليه وسلم الذي كان يصفه بأنه”: رجل من أھل الجنة..”
لكن بلالا بقي كما ھو كريما متواضعا، لا يرى نفسه الا أنه”: الحبشي الذي كان بالأمس عبدا!!..”
ذھب يوما يخطب لنفسه ولأخيه زوجتين فقال لأبيھما:
“أنا بلال، ھذا أخي عبدان من الحبشة.. كنا ضالين فھدانا الله.. ومنا عبدين فأعتقنا الله.. ان ّ تزوجونا
فالحمد لله.. وان تمنعونا فاالله أكبر!!”..
**
وذھب الرسول الى الرفيق الأعلى راضيا مرضيا، ونھض بأمر المسلمين من بعده خليفته أبو بكر
الصديق..
وذھب بلال الى خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له:
” يا خليفة رسول الله..
اني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أفضل عمل لبمؤمن الجھاد في سبيل الله..”
فقال له أبو بكر: فما تشاء يا بلال..؟
قال: أردت أن أرابط في سبيل الله حتٮأموت..
قال أبو بكر ومن يؤذن لنا؟
قال بلال وعيناه تفيضان من الدمع، اني لا أؤذن لأحد بعد رسول الله.
قال أبو بكر: بل ابق وأذن لنا يا بلال..
قال بلال: ان كنت أعتقتني لأكون لك فليكن لك ما تريد. وان كنت أعتقتني Ϳ فدعني وما أعتقتني له..
قالأبو بكر: بل أعتقتك يا بلال..
ويختلف الرواة، فيروي بعضھم أنه سافر الى الشام حيث بقي فيھا مجاھدا مرابطا.
ويروي بعضھم الآخر، أنه قبل رجاء أبي بكر في أن يبقى معه بالمدينة، فلما قبض وولي عمر الخلافة
استأذنه وخرج الى الشام.
على أية حال، فقد نذر بلال بقية حياته وعمره للمرابطة في ثغور الاسلام، مصمما أن يلقى الله ورسوله
وھو على خير عمل يحبانه.
ولم يعد يصدح بالأذان بصوته الشجي ّ الحفي المھيب، ذلك أنه لم ينطق في أذانه “أشھد أن محمدا
رسول الله” حتى تجيش به الذمؤيات فيختفي صوته تحت وقع أساه، وتصيح بالكلمات دموعه وعبراته.
وكان آخر أذان له أيام زار أمير المؤمنين عمر وتوسل المسلمون اليه أن يحمل بلالا على أن يؤذن لھم
صلاة واحدة.
ودعا أمير المؤمنين بلال، وقد حان وقت الصلاة ورجاه أن يؤذن لھا.
وصعد بلال وأذن.. فبكى الصحابة الذين كانوا أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلال يؤذن له..
بكوا كما لم يبكوا من قبل أبدا.. وكان عمر أشدھم بكاء!!..
**
ومات بلال في الشام مرابطا في سبيل الله كما أراد.
وتحت ثرى دمشق يثوي اليوم رفات رجل من أعظم رجال البشر صلابة في الوقوف الى جانب العقيدة
والاقتناع..

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.