رجال حول الرسول صلى الله عليه وسلم: أبو ذر الغفاري زعيم المعارضة وعدو الثروات

عبدالصمد تاغي9 مايو 2019آخر تحديث : منذ سنة واحدة
رجال حول الرسول صلى الله عليه وسلم: أبو ذر الغفاري زعيم المعارضة وعدو الثروات
رابط مختصر

أبو ذر الغفاري
زعيم المعارضة وعدو الثروات


زعيم المعارضة وعدو الثروات
أقبل على مكة نشوان مغتبطا..
صحيح أن وعثاء السفر وفيح الصحراء قد وقذاه بالضنى والألم، بيد أن الغاية التي يسعى اليھا، أنسته
جراحه، وأفاضت على روحه الحبور والبشور.
ودخلھا متنكرا، كأنه واحد من أولئك الذين يقصدونھا ّ ليطوفوا بآلھة الكعبة العظام.. أو كأنه عابر سبيل
ضل طريقه، أو طال به السفر والارتحال فأوى اليھا يستريح ّ ويتزود.
فلو علم أھل مكة أنه جاء يبحث عن محمد صلى الله عليه وسلم، ويستمع اليه لفتكوا به.
وھو لا يرى بأسا في أن يفتكوا به، ولكن بعد أن يقابل الرجل الي قطع الفيافي ليراه، وبعد أن يؤمن به،
ان اقتنع بصدقه واطمأن لدعوته..
ولقد مضى ّ يتسمع الأنباء من بعيد، وكلما سمع قوما يتحدثون عن محمد اقترب منھم في حذر، حتى جمع
من نثارات الحديث ھنا وھناك ما دله على محمد، وعلى المكان الذي يستطيع أن يراه فيه.
في صبيحة يوم ذھب الى ھناك، فوجد الرسول صلى الله عليه وسلم جالاسا وحده، فاقترب منه وقال:
نعمت صباحا يا أخا العرب..
فأجاب السول عليه الصلاة والسلام: وعليك السلام يا أخاه.
قال أبو ذر:أنشدني مما تقول..
فأجاب الرسول عليه الصلاة والسلام: ما ھو بشعر فأنشدك، ولكنه قرآن كريم.
قال أ]و ذر: اقرأ ّ علي..
www.islamicbulletin.comرجال حول الرسول صلى الله عليه وسلم
17
فقرأ عليه الرسول، وأ]و ذر يصغي.. ولم يمضي من الوقت غير قليل حتى ھتف أبو ذر:
“أشھد أن لا اله الا الله.
وأشھد أن محمدا عبده ورسوله!”
وسأله النبي: ممن أنت يا أخا العرب..؟
فأجابه أبو ذر: من غفار..
وتألقت ابتسامة على فم السول صلى الله عليه وسلم، واكتسى وجھه الدھشة والعجب..
وضحك أبو ذر كذلك، فھو يعرف سر العجب الذي كسا وجه الرسول عليه السلام حين علم أن ھذا الذي
يجھر بالاسلام أمامه انما ھو رجل من غفار!!..
فغفار ھذه قبيلة لا يدرك لھا شأو في قطع الطريق!!..
وأھلھا مضرب الأمثال في السطو غير المشروع.. انھم حلفاء الليل والظلام، والويل لمن يسلمه الليل الى
واحد من قبيلة غفار.
أفيجيء منھم اليوم، والاسلام لا يزال دينا غ ّ صا مستخفيا، واحد ليسلم..؟!
يقول أبو ذر وھو يروي القصة بنفسه:
..” فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يرفع بصره ّ ويصوبه تعجبا، لما كان من غفار، ثم قال: ان الله يھدي
من يشاء.
ولقد كان أبو ذر رضي الله عنه أحد الذين شاء لھم الھدى، وأراد بھم الخير.
وانه لذو بصر بالحق، فقد روي عنه أنه أحد الذين شاء الله لھم الھدى، وأراد بھم الخير.
وانه لذو بصر بالحق، فقد روي عنه أنه أحد الذين كلنوا يتألھون في الجاھلية، أي ّ يتمردون على عبادة
الأصنام، ويذھبون الى الايمان باله خالق عظيم. وھكذا ما كاد يسمع بظھور نبي يسفّه عبادة الأصناك
وعبّادھا، ويدعو الى عبادة الله الواحد القھار، حتى حث اليه الخطى، ّ وشد الرحال.
**
أسلم أبو ذر من فوره..
وكان ترتيبه في المسلمين الخامس أو السادس..
اذن، ھو قد أسلم في الأيام الأولى، بل الساعات الأولى للاسلام، وكان اسلامه مبكرا..
وحين أسلم كلن الرسول يھمس بالدعوة ھمسا.. يھمس بھا الى نفسه، والى الخمسة الذين آمنوا معه،
ولم يكن أمام أبي ذر الا أن يحمل ايمانه بين جنبيه، ويتسلل به مغادرا مكة، وعائدا الى قومه…
ولكن أبا ذر، جندب بن جنادة، يحمل طبيعة فوارة جيّاشة.
لقد خلق ّ ليتمرد على الباطل أنى يكون.. وھا ھو ذا يرى الباطل بعينيه.. حجارة مرصوصة، ميلاد عابديھا
أقدم من ميلادھا، تنحني أمامھا الجباه والعقول، ويناديھا الناس: لبيك.. لبيك!!..
وصحيح أنه رأى الرسول يؤثر لھمس في أيامه تلك.. ولكن لا ّ بد من صيحة يصيحھا ھذا الثائر الجليل
قبل أن يرحل.
لقد توجه الى الرسول عليه الصلاة والسلام فور اسلامه بھذا السؤال:
يا رسول الله، بم تأمرني..؟

فأجابه الرسول: ترجع الى قومك حتى يبلغك أمري..
فقال أبو ذر: والذي نفسي بيده لا أرجع حتى أصرخ بالاسلام في المسجد!!..
ألم أقل لكم..؟؟
تلك طبيعة ّ متمردة جيّاشة، أفي اللحظة التي يكشف فيھا أبو ذر عالما جديدا بأسره يتمثل في الرسول
الذي آمن به، وفي الدعوة التي سمع بتباشيرھا على لسانه.. أفي ھذه اللحظة يراد له أن يرجع الى أھله
صامتا.؟
ھذا أمر فوق طاقته..
ھنالك دخل المسجد الحرام ونادى بأعلى صوته:
]أشھد أن لا اله الا الله.. وأشھد أن محمدا رسول الله…[
كانت ھذه الصيحة أول صيحة بالاسلام ّ تحدت كبرياء قريش وقرعت أسماعھا.. صاحھا رجل غريب
ليس له في ّ مكة حسب ولا نسب ولا حمى..
ولقد لقي ما لم يكن يغيب عن فطنته أنه ملاقيه.. فقد أحاط به المشركون وضربوه حتى صرعوه..
وترامى النبأ الى العباس عم النبي، فجاء يسعى، وما استطاع أن ينقذه من بين أنيابھم الا بالحيلة لذكية،
قال له:
“يا معشر قريش، أنتم تجار، وطريقكم على غفار،، وھذا رجل من رجالھا، ان ّ يحرض قومه عليكم،
يقطعوا على قوافلكم الطريق..” فثابوا الى رشدھم وتركوه.
ولكن أبا ذر، وقد ذاق حلاوة الأذى في سبيل الله، لا يريد أن يغادر مكة حتى يظفر من طيباته بمزيد!!…
وھكذا لا يكاد في اليوم الثاني وربما في نفس اليوم، يلقى امرأتين تطوفان بالصنمين )أساف، واثلة(
ودعوانھما، حتى يقف عليھما ويسفه الصنمين تسفيھا مھينا.. فتصرخ المرأتان، ويھرول الرجال
كالجراد، ثم لا يفتون يضربونه حتى يفقد وعيه..
وحين يفيق يصرخ مرة أخرى بأنه ” يشھد أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله.” ويدرك الرسول
عليه الصلاة والسلام طبيعة تلميذه الجديد الوافد، وقدرته الباھرة على مواجھة الباطل. بيد أن وقته لم
يأت بعد، فيعيد عليه أمره بالعودة الى قومه، حتى اذا سمع بظھور الدين عاد وأدلى في مجرى الأحداث
دلوه..
**
ويعود أبو ذر الى عشيرته وقومه، فيحدثھھم عن النبي الذي ظھر يدعو الى عبادة الله وحده ويھدي
لمكارم الأخلاق، ويدخل قومه في الاسلام، واحدا اثر واحد.. ولا يمتفي بقبيلته غفار، بل ينتقل الى قبيلة
أسلم فيوقد فيھا مصابيحه..!!
وتتابع الأيام رحلتھا في موكب الزمن، ويھاجر الرسول صلى الله عليه وسلم الى المدينة، ويستقر بھا
والمسلمون معه.
وذات يوم تستقبل مشارفھا صفوفا طويلة من المشاة والركبان، أثارت أقدامھم النقع.. ولولا تكبيراتھم
الصادعة، لحبسھم الرائي جيشا مغيرا من جيوش الشرك..
اقترب الموكب اللجب.. ودخل المدينة.. ويمم وجھه شطر مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ومقامه..

لقد كان الموكب قبيلتي غفار وأسلم، جاء بھما ابو ذر مسلمين جميعا رجالا ونساءا. شيوخا وشبابا،
وأطفالا!!..
وكان من حق الرسول عليه الصلاة والسلام أن يزداد عجبا ودھشة..
فبالأمس البعيد عجب كثيرا حين رأى أمامه رجلا واحدا من غفار يعلن اسلامه وايمانه، وقال معبّرا عن
دھشته:
“ان الله يھدي من يشاء!!..”
أما اليوم فان قبيلة غفار بأجمعھا تجيئه مسلمة..وقد قطعت في الاسلام بضع سنين منذ ھداھا الله على يد
أبي ذر، وتجيء معھا قبيلة أسلم..
ان عمالقة السطور وحلفاء الشيطان، قد أصبحوا عمالقة في الخير وحلفاء للحق.
أليس الله يھدي من يشاء حقا..؟؟
لقد ألقى الرسول عليه الصلاة والسلام على وجوھھم الطيبة نظرات تفيض غبطة وحنانا وودا..
ونظر الى قبيلة غفار وقال:
“غفار غفر الله لھا.”
ثم الى قبيلة أسلم فقال:
“وأسلم سالمھا الله..”
وأبو ذر ھذا الداعية الرائع.. القوي الشكيمة، العزيز المنال.. ألا يختصه الرسول عليه الصلاة والسلام
بتحية..؟؟
أجل.. ولسوف يكون جزاؤه موفورا، وتحيته مباركة..
ولسوف يحمل صدره، ويحمل تاريخه، أرفع الأوسمة وأكثرھا جلالا وعزة..
ولسوف تفنى القرون والأجيال، والناس يرددون رأي الرسول صلى الله عليه وسلم في أبي ذر:
” ما أقلّت الغبراء، ولا أظلّت الصحراء أصدق لھجة من أبي ذر!!..”
ويدرك الرسول عليه الصلاة والسلام طبيعة تلميذه الجديد الوافد، وقدرته اباھرة على مواجھة الباطل..
بيد أن وقته لم يأت بعد، فيعيد عليه أمره بالعودة الى قومه، حتى اذا سمع بظھور الدين عاد وأدلى في
مجرى الأحداث دلّوه..
**
أصدق لھجة في أبي ذر..؟
لقد قرأ الرسول عليه الصلاة والسلام مستقبل صاحبه، ولخص حياته كلھا في ھذه الكلمات..
فالصدق الجسور، ھو جوھر حياة أبي ذر كلھا..
صدق باطمه، وصدق ظاھره..
صدق عقيدته وصدق لھجته..
ولسوف يحيا صادقا.. لا يغالط نفسه، ولا يغالط غيره، ولا يسمح لأحد أن يغالطه..
ولئن يكون صدقه فضيلة خرساء.. فالصدق الصامت ليس صدقا عند أبي ذر..
انما الصدق جھر وعلن.. جھر بالحق وتحد للباطل..تأييد للصواب ودحض للخطأ..
الصدق ولاء رشيد للحق، وتعبير جريء عنه، وسير حثيث معه..

ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم ببصيرته الثاقبة عبر الغيب ّ القصي والمجھول البعيد كل
المتاعب التي سيفيئھا على أبي ذر صدقه وصلابته، فكان يأمره دائما أن يجعل الأناة والصبر نھجه
وسبيله.
وألقى الرسول يوما ھذا السؤال:
” يا أبا ذر كيف أنت اذا أدركك أمراء يستأثرون بالفيء..”؟
فأجاب قائلا:
“اذن والذي بعثك بالحق، لأضربن بسيفي!!.”
فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام:
“أفلا أدلك على خير من ذلك..؟
اصبر حتى تلقاني.”
ترى لماذا سأله الرسول ھذا السؤال بالذات..؟؟
الأمراء.. والمال..؟؟
تلك قضية أبي ذر التي سيھبھا حياته، وتلك مشكلته مع المجتمع ومع المستقبل..
ولقد عرفھا رسول الله صلى الله عليه وسلم فألقى عليه السؤال، ليزوده ھذه النصيحة الثمينة”:اصبر
حتى تلقاني..”
ولسوف يحفظ أبو 1ر وصية معلمه، فلن يحمل السيف الذي ّ تود به الأمراء الذين يثرون من مال الأمة..
ولكنه أيضا لن يسكت عنھم لحظة من نھار..
أجل اذا كان الرسول قد نھاه عن حمل السيف في وجوھھم، فانه لا ينھاه عن أن يحمل في الحق لسانه
البتار..
ولسوف يفعل..
**
ومضى عھد الرسول، ومن بعده عصر أبي بكر، وعصر عمر في تفوق كامل على مغريات الحياة
ودواعي الفتنة فيھا..
حتى تلك النفوس المشتھية الراغبة، لم تكن تجد لرغباتھا سبيلا ولا منفذا.
وأيامئذ، لم تكن ثمة انحرافات يرفع أبو ذر ضدھا صوته ويفلحھا بكلماته اللاھبة…
ولقد طال عھد أمير المؤمنين عمر، فارضا على ولاة المسلمين وأمرائھم وأغنيائھم في كل مكان من
الأرض، زھدا وتقشفا، ودعلا يكاد يكون فوق طاقة البشر..
ان واليا من ولاته في العراق، أو في الشام، أ، في صنعاء.. أو في أي من البلاد النائية البعيدة، لا يكاد
يصل اليھا نوعا من الحلوى، لا يجد عامة الناس قدرة على شرائه، حتى يكون الخبر قد وصل الى عمر

بعد أيام. وحتى تكون أوامره الصارمة قد ذھبت لتستدعي ذلك الوالي الى المدينة ليلقى حسابه
العسير.!!.
ليھنأ أبو ذر اذن.. وليھنأ أكثر ما دام الفاروق العظيم أميرا للمؤمنين..
وما دام لا يضايق أبا ذر في حياته شيء مثلما يضايقع استغلال السلطة، واحتكارالثروة، فان ابن الخطاب
بمراقبته الصارمة للسلطة، وتوزيعه العادل للثروة سيتيح له الطمأنينة والرضا..
وھكذا تفرغ لعبادة ربه، وللجھاد في سبيله.. غير لائذ بالصمت اذا رأى مخالفة ھنا، أو ھناك.. وقلما كان
يرى..
بيد أن أعظم، وأعدل، وأروع حكام البشرية قاطبة يرحل عن الدنيا ذات يوم، تاركا وراءه فراغا ھائلا،
ومحدثا رحيله من ردود الفعل ما لا ّ مفر منه ولا طاقة للناس به. وتستمر القتوح في ّ مدھا، ويعلو معھا
مد الرغبات والتطلع الى مناعم الحياة وترفھا..
ويرى أبو ذر الخطر..
ان ألوية المجد الشخصي توشك أن تفتن الذين كل دورھم في الحياة أن يرفعوا راية الله..
ان الدنيا بزخرفھا وغرورھا الضاري، توشك أن تفتن الذين كل رسالتھم أن يجعلوا منھا مزرعة للأعمال
الصالحات..
ان المال الذي جعله الله خادما مطيعا للانسان، يوشك أن ّ يتحول الى سيّد مستبد..
ومع من؟
مع أصحاب محمد الذي مات ودرعه مرھونة، في حين كانت أكوام الفيء والغنائم عند قدميه!!..
ان خيرات الأرض التي ذرأھا الله للناس جميعا.. وجعل حقھم فيھا متكافئا توشك أن اصير حكرا ومزية..
ان السلطة التي ھي مسؤولية ترتعد من ھول حساب الله عليھا أفئدة الأبرار، تتحول الى سبيل للسيطرة،
وللثراء، وللترف المدمر الوبيل..
رأى أبو ذر كل ھذا فلم يبحث عن واجبه ولا عن مسؤوليته.. بل راح يمد يمينه الى سيفه.. وھز به
الھواء فمزقه، ونھض قائما يواجه المجتمع بسيفه الذي لم تعرف له كبوة.. لكن سرعان ما ّ رن في فؤاده
صدى الوصية التي أوصاه بھا الرسول، فأعاد السيف الى غمده، فما ينبغي أن يرفعه في وجه مسلم..
)وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا الا خطأ(
ليس دوره اليوم أن يقتل.. بل أن يعترض..
وليس السيف أداة التغيير والتقويم، بل الكلمة الصادقة، الأمينة المستبسلة..
الكلمة العادلة التي لا تضل طريقھا، ولا ترھب عواقبھا.
لقد أخبر الرسول يوما وعلى ملأ من أصحابه، أن الأرض لم ّ تقل، وأن السماء لم ّ تظل أصدق لھجة من
أبي ذر..
ومن كان يملك ھذا القدر من صدق اللھجة، وصدق الاقتناع، فما حاجته الى السيف..؟
ان كلمة واحدة يقولھا، لأمضى من ملء الأرض سيوفا..

فليخرج بصدقه ھذا، الى الأمراء.. الى الأغنياء. الى جميع الذين أصبحوا يشكلون بركونھم الى الدنيا
خطرا على الدين الذي جاء ھاديا، لا جابيا.. ونبوة لا ملكا،.. ورحمة لا عذابا.. وتواضعا لا استعلاء..
وتكافؤ لا تمايز.. وقناعة لا جشعا.. وكفاية لا ترفا.. واتئادا في أخذ الحياة، لا فتونا بھا ولا تھالكا عليھا..
فليخرج الى ھؤلاء جميعا، حتى يحكم الله بينھم وبينه بالحق، وھو خير الحاكمين.
**
وخرج أبو ذر الى معاقل السلطة والثروة، يغزوھا بمعارضته معقلا معقلا.. وأصبح في أيام معدودات
الراية التي التفت حولھا الجماھير والكادحون.. حتى في الأقطار النائية التي لم يره أھلھا بعد.. طاره
اليھا ذكره. وأصبح لا يمر بأرض، بل ولا يبلغ اسمه قوما الا أثار تسؤلات ّ ھامة تھدد مصالح ذوي
الشلطة والثراء.
ولو أراد ھذا الثائر الجليل أن يتخذ لنفسه ولحركته علما خاصا لما كان الشعار المنقوش على العلم سوى
مكواة تتوھج حمرة ولھبا، فقد جعل نشيده وھتافه الذي يردده في كل مكان وزمان.. ويردده الانس عنه
كأنه نشيد.. ھذه الكلمات:
” ّ بشر الكانزين الذين يكنزون الذھب والفضة بمكاو من نار تكوى بھا جباھھم وجنوبھم يوم القيامة”..!!
لا يصغد جبلا، ولا ينزل سھلا، ولا يدخل مدينة، ولا يواجه أميرا الا وھذه الكلمات على لسانه.
ولم يعد الانس يبصرونه قادما الا استقبلوه بھذه الكلمات:
” ّ بشر الكانزين بمكاو من نار..”
لقد صارت ھذه العبارة علما على رسالته التي نذر حياته لھا، حين رأى الثروات تتركز وتحتكر.. وحين
رأى السلطة استعلاء واستغلال.. وحين رأى حب الدنيا يطغى ويوشك أن يطمر كل ما صنعته سنوات
الرسالة العظمى من جمال وورع، وتفان واخلاص..
لقد بدأ بأكثر تلك المعاقل سيطرة ورھبة.. ھناك في الشام حيث “معاوية بن أبي سفيان” يحكم أرضا
من أكثر بلاد الاسلام خصوبة وخيرا وفيضا، وانه ليعطي الأموال ويوزعھا بغير حساب، يتألف بھا
الناس الذين لھم حظ ومكانة، ويؤمن بھا مستقبله الذي كان يرنو اليه طموحه البعيد.
ھناك الضياع والقصور والثروات تفتن الباقية من حملة الجعوة، فليدرك أبو ذر الخطر قبل أن يحيق
ّ ويدمر..
وحسر زعيم المعارضة رداءه المتواضع عن ساقيه، وسابق الريح الى الشام..
ولم يكد الناس العاديون يسمعون بمقدمه حتى استقبلوه في حماسة وشوق، والتفوا حوله أينما ذھب
وسار..
حدثنا يا أبا ذر..
حدثنا يا صاحب رسول الله..
ويلقي أبو ذر على الجموع حوله نظرات فاحصة، فيرى أكثرھا ذوي حصاصة وفقر.. ثم يرنو ببصره
نحو المشارف القريبة فيرى القصور والضياع..
ثم يصرخ في الحافين حوله قائلا:
” عجبت لمن لا يجد القوت في بيته، كيف لا يخرج على الانس شاھرا سيفه..”؟؟!!

ثم يذكر من فوره وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضع الأناة مكان الانقلاب، والكلمة
الشجاعة مكان السيف.. فيترك لغة الحرب ھذه ويعود الى لغة المنطق والاقناع، فيعلم الناس جميعا أنھم
جميعا سواسية كأسنان المشط.. وأنھم جميعا شركاء في الرزق.. وأنه لا فضل لأحد على أحد الا
بالتقوى.. وأن أمير القوم ووليھم، ھو أول من يجوع اذا جاعوا، وآخر من شبع اذا شبعوا..
لقد قرر أن يخلق بكلماته وشجاعته رأيا ّ عاما من كل بلاد الاسلام يكون له من الفطنة والمناعة، والقوة
ما يجعله شكيمة لأمرائه وأغنيائه، وما يحول دون ظھور طبقات مستغلة للحكم، أو محتكرة للثروة.
وفي أيام قلائل، كانت الشام كلھا كخلايا نحل وجدت ملكتھا المطاعة.. ولو أعطى أبو ذر اشارة عابرة
بالثورة لاشتعلت نارا.. ولكنه كما قلنا، حصر اھتمامه في خلق رأي عام يفرض احترامه، وصارت كلماته
حديث المجالس والمساجد والطريق.
ولقد بلغ خطره على الامتيازات الناشئة مداه، يوم ناظر معاوية على ملأ من الناس. ثم أبلغ الشاھد
للمناظرة، الغائب عنھا. وسارت الرياح بأخبارھا..
ولقد وقف أبو ذر أصدق العالمين لھجة، كما وصفه نبيه وأستاذه..
وقف يسائل معاوية في غير خوف ولا مداراة عن ثروته قبل أن يصبح حاكما، وعن ثروته اليوم!!..
وعن البيت الذي كان يسكنه بمكة، وعن قصوره بالشام اليوم!!..
ثم يوجه السؤال للجالسين حوله من الصحابة الذين صحبوا معاوية الى الشام وصار لبعضھم قصور
وضياع.
ثم يصيح فيھم جميعا: أفأنت الذين نزل القرآن على الرسول وھو بين ظھرانيھم..؟؟
ويتولى الاجابة عنھم: نعم أنتم الذين نزل فيكم القرآن، وشھدتم مع الرسول المشاھد..
ثم يعود ويسأل: ألا تجدون في كتاب الله ھذه الآية:
)والذين يكنزون الذھب والفضة ولا ينفقونھا في سبيل الله فبشرھم بعذاب أليم.. يوم يحمى عليھا في نار
جھنّم، فتكوى بھا جباھھم، وجنوبھم، وظھورھم، ھذا ما كنزتم لأنفسكم، فذوقوا ما كنتم تكنزون..(؟؟
ويختلام معاوية طريق الحديث قائلا: لقد أنزلت ھذه الآية في أھل الكتاب..
ويصيح أبو ذر: لا بل أنزلت لنا ولھم..
ويتابع أبو ذر القول ناصحا معاوية ومن معه أن يخرجوا كل ما بأيديھم من ضياع وقصور وأموال.. وألا
ّ يدخر أحدھم لنفسه أكثر من حاجات يومه..
وتتناقل المحافل والجموع نبأ ھذه المناظرة وأنباء أبي ذر..
ويتعالى نشيد أبي ذر في البيوت والطرقات:
( ّ بشر الكانزين بمكاو من نار يوم القيامة..)
ويستشعر معاوية الخطر، وتفزعه كلمات الثائر الجليل، ولكنه يعرف له قدره، فلا ّ يقر به بسوء، ويكتب
عن فوره للخليفة عثمان رضي الله عنه يقول له”: ان أبا ذر قد أفسد الانس بالشام..”
ويكتب عثمان لأبي ذر يستدعيه للمدينة.

ويحسر أبي ذر طرف ردائه عن ساقيه ّ مرة أخرى ويسافر الى المدينة تاركا الشام في يوم لم تشھد
دمشق مثله يوما من أيام الحفاوة والوداع!!..
**
(لا حاجة لي في دنياكم..)!!
ھكذا قال أبو ذر للخليفة عثمان بعد أن وصل الى المدسنة، وجرى بينھما حوار طويل.
لقد خرج عثمان من حواره مع صاحبه، ومن الأنباء التي توافدت عليه من كل الأقطار عن مشايعة
الجماھير لآراء أبي ذر، بادراك صحيح لخطر دعوته وقوتھا، وقرر أن يحتفظ به الى جواره في المدينة،
محددا بھا اقامته.
ولقد عرض عثمان قراره على أبي ذر عرضا رفيقا، رقيقا، فقال له”: ابق ھنا يجانبي، تغدو عليك القاح
وتروح..”
وأجابه أبو ذر:
(لا حاجة لي في دنياكم!.)
أجل لا حاجة له في دنيا الناس.. انه من أولئك القديسين الذين يبحثون عن ثراء الروح، ويحيون الحياة
ليعطوا لا ليأخذوا!!..
ولقد طلب من الخليفة عثمان رضي الله عنه أن يأذن له الخروج الى ّ الربذة فأذن له..
ولقد ظل وھو في احتدام معارضته أمينا Ϳ ورسوله، حافظا في اعماق روحه النصيحة التي وجھھا
اليه الرسول عليه الصلاة والسلام ألا يحمل السيف.. لكأن الرسول رأى الغيب كله.. غيب أبي ذر
ومستقبله، فأھدى اليه ھذه النصيحة الغالية.
ومن ثم لم يكن أبو ذر ليخفي انزعاجه حين يرى بعض المولعين بايقاد الفتنة يتخذون من دعوته سببا
لاشباع ولعھم وكيدھم.
جاءه يوما وھو في ّ الربدة وفد من الكوفة يسألونه أن يرفع راية الثورة ضد الخليفة، فزجرھم بكلمات
حاسمة:
” والله لو أن عثمان صلبني على أطول خشبة، أ جبل، لسمعت، وأطعت، وصبرت واحتسبت، ورأيت ذلك
خيرا لي”..
” ولوسيّرني ما بين الأفق الى الأفق، لسمعت وأطعت، وصبرت واحتسبت، ورأيت ذلك خيرا لي..
” ولو ّ ردني الى منزلي، لسمعت وأطعت، وصبرت واحتسبت، ورأيت ذلك خيرا لي..”
ذلك رجل لا يريد غرضا من أغراض الدنيا، ومن ثم أفاء الله عليه نور البصيرة.. ومن ثم مرة أخرى
أدرك ما تنطوي عليه الفتنة المسلحة من وبال وخطر فتحاشاھا.. كما أدرك ما ينطوي عليه الصمت من
وبال وخطر، فتحاشاه أيضا، ورفع صوته لا سيفه بكلمة الحق ولھجة الصدق، لا أطماع تغريه.. ولا
عواقب تثنيه.!.
لقد ّ تفرغ أبو ذر للمعارضة الأمينة وتبتّل.

وسيقضي عمره كله ّ يحدق في أخطاء الحكم وأخطاء المال، فالحكم والمال يملكان من الاغراء والفتنة
ما يخافه أبو ذر على اخوانه الذين حملوا راية الاسلام مع رسولھم صلى الله عليه وسلم، والذين يجب أن
يظلوا لھا حاملين.
والحكم والمال أيضا، ھما عصب الحياة للأمة والجماعات، فاذا اعتورھما الضلال تعرضت مصاير الناس
للخطر الأكيد.
ولقد كان أبو ذر يتمنى لأصحاب الرسول ألا يلي أحد منھم امارة أو يجمع ثروة، وأن يظلوا كما كانوا
ّ رواد للھدى، وعبّادا ..
وقد كان يعرف ضراوة الدنيا وضراوة المال، وكان يدرك أن أبا بكر وعمر لن يتكررا.. ولطالما سمع
النبي صلى الله عليه وسلم يحذر أصحابه من اغراء الامارة ويقول عنھا:
..” انھا أمانة، وانھا يوم القيامة خزي وندامة.. الا من أخذھا بحقھا، ّ وأدى الذي عليه فيھا…”
ولقد بلغ الأمر بأبي ذر لى تجنّب اخوانه ان لم يكن مقاطعتھم،لأنھم ولوا الامارات، وصار لھم بطبيعة
الحال ثراء وفرة..
لقيه أبو موسى الأشعري يوما، فلم يكد يراه حتى فتح له ذراعيه وھو يصيح من الفرح بلقائه”: مرحبا
أبا ذر.. مرحبا بأخي.”
ولكن أبا ذر دفعه عنه وھو يقول:
” لست بأخيك، انما كنت أخاك قبل أن تكون واليا وأميرا!..”
كذلك لقيه أبو ھريرة يوما واحتضنه ّ مرحبا، ولكن أبا ذر ّ نحاه عنه بيده وقال له:
)اليك عني.. ألست الذي وليت الامارة، فتطاولت في البنيان، واتخذت لك ماشية وزرعا..(؟؟
ومضى أبو ھريرة يدافع عن نفسه ويبرئھا من تلك الشائعات..
وقد يبدو أبو ذر مبالغا في موقفه من الجكم والثروة..
ولكن لأبي ذر منطقه الذي يشكله صدقه مع نفسه، ومع ايمانه، فأبو ذر يقف بأحلامه وأعماله.. بسلوكه
ورؤاه، عند المستوى الذي خلفه لھم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه.. أبو بكر وعمر..
واذا كان البعض يرى في ذلك المستوى مثالية لا يدرك شأوھا، فان ابا ذر يراھا قدوة ترسم طريق
الحياة والعمل، ولا سيما لأولئك الرجال الذين عاصروا الرسول عليه السلام، وصلوا وراءه، وجاھدوا
معه، وبايعوه على السمع والطاعة.
كما أنه يدرك بوعيه المضيء، ما للحكم وما للثروة من أثر حاسم في مصاير الناس، ومن ثم فان أي خلل
يصيب أمانة الحكم، أو عدالة الثروة، يشكل خطرا يجب دحضه ومعارضته.
**
ولقد عاش أبو ذر ما استطاع حاملا لواء القدوة العظمى للرسول عليه السلام وصاحبيه، أمينا عليھا،
حارسا لھا.. وكان أستاذ في فن التفوق على مغريات الامارة والثروة،…
عرضت عليه الامارة بالعراق فقال:

” لا والله.. لن تميلوا ّ علي بدنياكم أبدا..”
ورآه صاحبه يوما يلبس جلبابا قديما فسأله:
أليس لك ثوب غير ھذا..؟! لقد رأيت معك منذ أيام ثوبين جديدين..؟
فأجابه أبو ذر: ” يا بن أخي.. لقد أعطيتھما من ھو أحوج اليھما مني..”
قال له: والله انك لمحتاج اليھما!!
فأجاب أب ذر: “اللھم غفر.. انك لمعظّم للدنيا، ألست ترى ّ علي ھذه البردة..؟؟ ولي أخرى لصلاة
الجمعة، ولي عنزة أحلبھا، وأتان أركبھا، فأي نعمة أفضل ما نحن فيه..”؟؟
**
وجلس يوما ّ يحدث ويقول:
]أوصاني خليلي بسبع..
أمرني بحب المساكين والدنو منھم..
وأمرني أن أنظر الى من ھو دوني، ولاأنظر الى من ھو فوقي..
وأمرني ألا أسأل أحد شيئا..
وأمرني أن أصل الرحم..
وأمرني أن أقول الحق وان كان ّ مرا..
وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم..
وأمرني أن أكثر من: لا حول ولا قوة الا با.[
ولقد عاش ھذه الوصية، وصاغ حياته وفقھا، حتى صار “ضميرا” بين قومه وأمته..
ويقول الامام علي رضي الله عنه:
“لم يبق اليوم أحد لا يبالي في الله لومة لائم غير أبي ذر!!..”
عاش يناھض استغلال الحكم، واحتكار الثروة..
عاش يدحض الخطأ، ويبني الصواب..
عاش متبتلا لمسؤولية النصح والتحذير..
يمنعونه من الفتوى، فيزداد صوته بھا ارتفاعا، ويقول لمانعيه:
” والذي نفسي بيده، لو وضعتم السيف فوق عنقي، ثم ظننت أني منفذ كلمة سمعتھا من رسول الله صلى
الله عليه وسلم قبل أن تحتزوا لأنفذتھا!!..”
ويا ليت المسلمين استمعوا يومئذ لقوله ونصحه..
اذن لما ماتت في مھدھا تلك الفتن التي تفقم فيما بعد أمرھا واستفحل خطرھا، ّ وعرضت تادواة والمجتمع
والاسلام لأخطار، ما كان أقساھا من أخطار.
والآن يعالج أبو ذر سكرات الموت في الربذة.. المكان الذي اختار الاقامة فيه اثر خلافه مع عثمان رضي
الله عنه، فتعالوا بنا اليه نؤد للراحل العظيم تحية الوداع، ونبصر في حياته الباھرة مشھد الختام.

ان ھذه السيدة السمراء الضامرة، الجالسة الى جواره تبكي، ھي زوجته..
وانه ليسألھا: فيم البكاء والموت حق..؟
فتجيبه بأنھا تبكي: ” لأنك تموت، وليس عندي ثوب يسعك كفنا!!..”
..” لا تبكي، فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وأنا عنده في نفر من أصحابه يقول:
ّ ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض، تشھده عصابة من المؤمنين..
وكل من كان معي في ذلك المجلس مات في جماعة وقرية، ولم يبق منھم غيري .. وھأنذا بالفلاة أموت،
فراقبي الطريق،، فستطلع علينا عصابة من المؤمنين، فاني والله ما كذبت ولا كذبت.”
وفاضت روحه الى الله..
ولقد صدق..
فھذه القافلة التي تغذ السير في الصحراء، تؤلف جماعة من المؤمنين، وعلى رأسھم عبدالله بن مسعود
صاحب رسول الله.
وان ابن مسعود ليبصر المشھد قبل أن يبلغه.. مشھد جسد ممتد يبدو كأنه جثمان ميّت، والى جواره
سيدة وغلام يبكيان..
ويلوي زمام دابته والركب معه صوب المشھد، ولا يكاد يلقي نظرة على الجثمان، حتى تقع عيناه على
وجه صاحبه وأخيه في الله والاسلام أبي ذر.
وتفيض عيناه بالدمع، ويقف على جثمانه الطاھر يقول:” صدق رسول الله.. نمشي وحدك، وتموت
وحدك، وتبعث وحدك!.”
ويجلس ابن مسعود رضي الله عنه لصحبه تفسير تلك العبارة التي نعاه بھا”: تمشي وحدك.. وتموت
حدك.. وتبعث وحدك…”
**
كان ذلك في غزوة تبوك.. سنة تسع من الھجرة، وقد أمر الرسول عليه السلام بالتھيؤ لملاقاة الروم،
الذين شرعوا يكيدون للاسلام ويأتمرون به.
وكانت الأيام التي دعى فيھا الناس للجھاد أيام عسر وقيظ..
وكانت الشقة بعيدة.. والعدو مخيفا..
ولقد تقاعس عن الخروج نفر من المسلمين، تعللوا بشتى المعاذير..
وخرج الرسول وصحبه.. وكلما أمعنوا في السير ازدادوا جھدا ومشقة، فجعل الرجل يتخلف، ويقولون يا
رسول اللھتخلف فلان، فيقول:
” دعوه.
فان يك فيه خير فسيلحقه الله بكم..
وان يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه!!..”
وتلفت القوم ذات مرة، فلم يجدوا أبا ذر.. وقالوا للرسول عليه الصلاة والسلام:
لقد تخلف أبو ذر، وأبطأ به بعيره..
وأعاد الرسول مقالته الأولى..
كان بعير أبي ذر قد ضعف تحت وطأة الجوع والظمأ والحر وتعثرت من الاعياء خطاه..

وحاول أبو ذر أن يدفعه للسير الحثيث بكل حيلة وجھد، ولكن الاعياء كان يلقي ثقله على البعير..
ورأى أبو ذر أنه بھذا سيتخلف عن المسلمين وينقطع دونھم الأثر، فنزل من فوق ظھر البعير، وأخذ
متاعه وحمله على ظھره ومضى ماشيا على قدميه، مھرولا، وسط صحراء ملتھبة، كما يدرك رسوله
عليه السلام وصحبه..
وفي الغداة، وقد وضع المسلمون رحالھم ليستريحوا، بصر أحدھم فرأى سحابة من النقع والغبار تخفي
وراءھا شبح رجل يغذ السير..
وقال الذي رأى: يا رسول الله، ھذا رجل يمشي على الطريق وحده..
وقال الرسول عليه الصلاة والسلام:
)كن أبا ذر..(
وعادوا لما كانوا فيه من حديث، ريثما يقطع القادم المسافة التي تفصله عنھم، وعندھا يعرفون من ھو..
وأخذ المسافر الجليل يقترب منھم رويدا.. يقتلع خطاه من الرمل المتلظي اقتلاعا، وحمله فوق ظھره
بتؤدة.. ولكنه مغتبط فرحان لأنه أردك القافلة المباركة، ولم يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
واخوانه المجاھدين..
وحين بلغ أول القافلة، صاح صائھحم: يار سول الله: انه والله أبا ذر..
وسار أبو ذر صوب الرسول.
ولم يكد صلى الله عليه وسلم يراه حتى تألقت على وجھه ابتسامة حانية واسية، وقال:
]يرحم الله أبا ذر..
يمشي وحده..
ويموت وحده..
ويبعث وحده.[..
وبعد مضي عشرين عاما على ھذا اليوم أو تزيد، مات أبو ذر وحيدا، في فلاة الربذة.. بعد أن سار
حياته كلھا وحيدا على طريق لم يتألق فوقه سواه.. ولقد بعث في التاريخ وحيدا في عظمة زھده، وبطولة
صموده..
ولسوف يبعث عند الله وحيدا كذلك؛ لأن زحام فضائله المتعددة، لن يترك بجانبه مكانا لأحد سواه!!


زعيم المعارضة وعدو الثروات
أقبل على مكة نشوان مغتبطا..
صحيح أن وعثاء السفر وفيح الصحراء قد وقذاه بالضنى والألم، بيد أن الغاية التي يسعى اليھا، أنسته
جراحه، وأفاضت على روحه الحبور والبشور.
ودخلھا متنكرا، كأنه واحد من أولئك الذين يقصدونھا ّ ليطوفوا بآلھة الكعبة العظام.. أو كأنه عابر سبيل
ضل طريقه، أو طال به السفر والارتحال فأوى اليھا يستريح ّ ويتزود.
فلو علم أھل مكة أنه جاء يبحث عن محمد صلى الله عليه وسلم، ويستمع اليه لفتكوا به.
وھو لا يرى بأسا في أن يفتكوا به، ولكن بعد أن يقابل الرجل الي قطع الفيافي ليراه، وبعد أن يؤمن به،
ان اقتنع بصدقه واطمأن لدعوته..
ولقد مضى ّ يتسمع الأنباء من بعيد، وكلما سمع قوما يتحدثون عن محمد اقترب منھم في حذر، حتى جمع
من نثارات الحديث ھنا وھناك ما دله على محمد، وعلى المكان الذي يستطيع أن يراه فيه.
في صبيحة يوم ذھب الى ھناك، فوجد الرسول صلى الله عليه وسلم جالاسا وحده، فاقترب منه وقال:
نعمت صباحا يا أخا العرب..
فأجاب السول عليه الصلاة والسلام: وعليك السلام يا أخاه.
قال أبو ذر:أنشدني مما تقول..
فأجاب الرسول عليه الصلاة والسلام: ما ھو بشعر فأنشدك، ولكنه قرآن كريم.
قال أ]و ذر: اقرأ ّ علي..

فقرأ عليه الرسول، وأ]و ذر يصغي.. ولم يمضي من الوقت غير قليل حتى ھتف أبو ذر:
“أشھد أن لا اله الا الله.
وأشھد أن محمدا عبده ورسوله!”
وسأله النبي: ممن أنت يا أخا العرب..؟
فأجابه أبو ذر: من غفار..
وتألقت ابتسامة على فم السول صلى الله عليه وسلم، واكتسى وجھه الدھشة والعجب..
وضحك أبو ذر كذلك، فھو يعرف سر العجب الذي كسا وجه الرسول عليه السلام حين علم أن ھذا الذي
يجھر بالاسلام أمامه انما ھو رجل من غفار!!..
فغفار ھذه قبيلة لا يدرك لھا شأو في قطع الطريق!!..
وأھلھا مضرب الأمثال في السطو غير المشروع.. انھم حلفاء الليل والظلام، والويل لمن يسلمه الليل الى
واحد من قبيلة غفار.
أفيجيء منھم اليوم، والاسلام لا يزال دينا غ ّ صا مستخفيا، واحد ليسلم..؟!
يقول أبو ذر وھو يروي القصة بنفسه:
..” فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يرفع بصره ّ ويصوبه تعجبا، لما كان من غفار، ثم قال: ان الله يھدي
من يشاء.
ولقد كان أبو ذر رضي الله عنه أحد الذين شاء لھم الھدى، وأراد بھم الخير.
وانه لذو بصر بالحق، فقد روي عنه أنه أحد الذين شاء الله لھم الھدى، وأراد بھم الخير.
وانه لذو بصر بالحق، فقد روي عنه أنه أحد الذين كلنوا يتألھون في الجاھلية، أي ّ يتمردون على عبادة
الأصنام، ويذھبون الى الايمان باله خالق عظيم. وھكذا ما كاد يسمع بظھور نبي يسفّه عبادة الأصناك
وعبّادھا، ويدعو الى عبادة الله الواحد القھار، حتى حث اليه الخطى، ّ وشد الرحال.
**
أسلم أبو ذر من فوره..
وكان ترتيبه في المسلمين الخامس أو السادس..
اذن، ھو قد أسلم في الأيام الأولى، بل الساعات الأولى للاسلام، وكان اسلامه مبكرا..
وحين أسلم كلن الرسول يھمس بالدعوة ھمسا.. يھمس بھا الى نفسه، والى الخمسة الذين آمنوا معه،
ولم يكن أمام أبي ذر الا أن يحمل ايمانه بين جنبيه، ويتسلل به مغادرا مكة، وعائدا الى قومه…
ولكن أبا ذر، جندب بن جنادة، يحمل طبيعة فوارة جيّاشة.
لقد خلق ّ ليتمرد على الباطل أنى يكون.. وھا ھو ذا يرى الباطل بعينيه.. حجارة مرصوصة، ميلاد عابديھا
أقدم من ميلادھا، تنحني أمامھا الجباه والعقول، ويناديھا الناس: لبيك.. لبيك!!..
وصحيح أنه رأى الرسول يؤثر لھمس في أيامه تلك.. ولكن لا ّ بد من صيحة يصيحھا ھذا الثائر الجليل
قبل أن يرحل.
لقد توجه الى الرسول عليه الصلاة والسلام فور اسلامه بھذا السؤال:
يا رسول الله، بم تأمرني..؟

فأجابه الرسول: ترجع الى قومك حتى يبلغك أمري..
فقال أبو ذر: والذي نفسي بيده لا أرجع حتى أصرخ بالاسلام في المسجد!!..
ألم أقل لكم..؟؟
تلك طبيعة ّ متمردة جيّاشة، أفي اللحظة التي يكشف فيھا أبو ذر عالما جديدا بأسره يتمثل في الرسول
الذي آمن به، وفي الدعوة التي سمع بتباشيرھا على لسانه.. أفي ھذه اللحظة يراد له أن يرجع الى أھله
صامتا.؟
ھذا أمر فوق طاقته..
ھنالك دخل المسجد الحرام ونادى بأعلى صوته:
]أشھد أن لا اله الا الله.. وأشھد أن محمدا رسول الله…[
كانت ھذه الصيحة أول صيحة بالاسلام ّ تحدت كبرياء قريش وقرعت أسماعھا.. صاحھا رجل غريب
ليس له في ّ مكة حسب ولا نسب ولا حمى..
ولقد لقي ما لم يكن يغيب عن فطنته أنه ملاقيه.. فقد أحاط به المشركون وضربوه حتى صرعوه..
وترامى النبأ الى العباس عم النبي، فجاء يسعى، وما استطاع أن ينقذه من بين أنيابھم الا بالحيلة لذكية،
قال له:
“يا معشر قريش، أنتم تجار، وطريقكم على غفار،، وھذا رجل من رجالھا، ان ّ يحرض قومه عليكم،
يقطعوا على قوافلكم الطريق..” فثابوا الى رشدھم وتركوه.
ولكن أبا ذر، وقد ذاق حلاوة الأذى في سبيل الله، لا يريد أن يغادر مكة حتى يظفر من طيباته بمزيد!!…
وھكذا لا يكاد في اليوم الثاني وربما في نفس اليوم، يلقى امرأتين تطوفان بالصنمين )أساف، واثلة(
ودعوانھما، حتى يقف عليھما ويسفه الصنمين تسفيھا مھينا.. فتصرخ المرأتان، ويھرول الرجال
كالجراد، ثم لا يفتون يضربونه حتى يفقد وعيه..
وحين يفيق يصرخ مرة أخرى بأنه ” يشھد أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله.” ويدرك الرسول
عليه الصلاة والسلام طبيعة تلميذه الجديد الوافد، وقدرته الباھرة على مواجھة الباطل. بيد أن وقته لم
يأت بعد، فيعيد عليه أمره بالعودة الى قومه، حتى اذا سمع بظھور الدين عاد وأدلى في مجرى الأحداث
دلوه..
**
ويعود أبو ذر الى عشيرته وقومه، فيحدثھھم عن النبي الذي ظھر يدعو الى عبادة الله وحده ويھدي
لمكارم الأخلاق، ويدخل قومه في الاسلام، واحدا اثر واحد.. ولا يمتفي بقبيلته غفار، بل ينتقل الى قبيلة
أسلم فيوقد فيھا مصابيحه..!!
وتتابع الأيام رحلتھا في موكب الزمن، ويھاجر الرسول صلى الله عليه وسلم الى المدينة، ويستقر بھا
والمسلمون معه.
وذات يوم تستقبل مشارفھا صفوفا طويلة من المشاة والركبان، أثارت أقدامھم النقع.. ولولا تكبيراتھم
الصادعة، لحبسھم الرائي جيشا مغيرا من جيوش الشرك..
اقترب الموكب اللجب.. ودخل المدينة.. ويمم وجھه شطر مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ومقامه..

لقد كان الموكب قبيلتي غفار وأسلم، جاء بھما ابو ذر مسلمين جميعا رجالا ونساءا. شيوخا وشبابا،
وأطفالا!!..
وكان من حق الرسول عليه الصلاة والسلام أن يزداد عجبا ودھشة..
فبالأمس البعيد عجب كثيرا حين رأى أمامه رجلا واحدا من غفار يعلن اسلامه وايمانه، وقال معبّرا عن
دھشته:
“ان الله يھدي من يشاء!!..”
أما اليوم فان قبيلة غفار بأجمعھا تجيئه مسلمة..وقد قطعت في الاسلام بضع سنين منذ ھداھا الله على يد
أبي ذر، وتجيء معھا قبيلة أسلم..
ان عمالقة السطور وحلفاء الشيطان، قد أصبحوا عمالقة في الخير وحلفاء للحق.
أليس الله يھدي من يشاء حقا..؟؟
لقد ألقى الرسول عليه الصلاة والسلام على وجوھھم الطيبة نظرات تفيض غبطة وحنانا وودا..
ونظر الى قبيلة غفار وقال:
“غفار غفر الله لھا.”
ثم الى قبيلة أسلم فقال:
“وأسلم سالمھا الله..”
وأبو ذر ھذا الداعية الرائع.. القوي الشكيمة، العزيز المنال.. ألا يختصه الرسول عليه الصلاة والسلام
بتحية..؟؟
أجل.. ولسوف يكون جزاؤه موفورا، وتحيته مباركة..
ولسوف يحمل صدره، ويحمل تاريخه، أرفع الأوسمة وأكثرھا جلالا وعزة..
ولسوف تفنى القرون والأجيال، والناس يرددون رأي الرسول صلى الله عليه وسلم في أبي ذر:
” ما أقلّت الغبراء، ولا أظلّت الصحراء أصدق لھجة من أبي ذر!!..”
ويدرك الرسول عليه الصلاة والسلام طبيعة تلميذه الجديد الوافد، وقدرته اباھرة على مواجھة الباطل..
بيد أن وقته لم يأت بعد، فيعيد عليه أمره بالعودة الى قومه، حتى اذا سمع بظھور الدين عاد وأدلى في
مجرى الأحداث دلّوه..
**
أصدق لھجة في أبي ذر..؟
لقد قرأ الرسول عليه الصلاة والسلام مستقبل صاحبه، ولخص حياته كلھا في ھذه الكلمات..
فالصدق الجسور، ھو جوھر حياة أبي ذر كلھا..
صدق باطمه، وصدق ظاھره..
صدق عقيدته وصدق لھجته..
ولسوف يحيا صادقا.. لا يغالط نفسه، ولا يغالط غيره، ولا يسمح لأحد أن يغالطه..
ولئن يكون صدقه فضيلة خرساء.. فالصدق الصامت ليس صدقا عند أبي ذر..
انما الصدق جھر وعلن.. جھر بالحق وتحد للباطل..تأييد للصواب ودحض للخطأ..
الصدق ولاء رشيد للحق، وتعبير جريء عنه، وسير حثيث معه..

ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم ببصيرته الثاقبة عبر الغيب ّ القصي والمجھول البعيد كل
المتاعب التي سيفيئھا على أبي ذر صدقه وصلابته، فكان يأمره دائما أن يجعل الأناة والصبر نھجه
وسبيله.
وألقى الرسول يوما ھذا السؤال:
” يا أبا ذر كيف أنت اذا أدركك أمراء يستأثرون بالفيء..”؟
فأجاب قائلا:
“اذن والذي بعثك بالحق، لأضربن بسيفي!!.”
فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام:
“أفلا أدلك على خير من ذلك..؟
اصبر حتى تلقاني.”
ترى لماذا سأله الرسول ھذا السؤال بالذات..؟؟
الأمراء.. والمال..؟؟
تلك قضية أبي ذر التي سيھبھا حياته، وتلك مشكلته مع المجتمع ومع المستقبل..
ولقد عرفھا رسول الله صلى الله عليه وسلم فألقى عليه السؤال، ليزوده ھذه النصيحة الثمينة”:اصبر
حتى تلقاني..”
ولسوف يحفظ أبو 1ر وصية معلمه، فلن يحمل السيف الذي ّ تود به الأمراء الذين يثرون من مال الأمة..
ولكنه أيضا لن يسكت عنھم لحظة من نھار..
أجل اذا كان الرسول قد نھاه عن حمل السيف في وجوھھم، فانه لا ينھاه عن أن يحمل في الحق لسانه
البتار..
ولسوف يفعل..
**
ومضى عھد الرسول، ومن بعده عصر أبي بكر، وعصر عمر في تفوق كامل على مغريات الحياة
ودواعي الفتنة فيھا..
حتى تلك النفوس المشتھية الراغبة، لم تكن تجد لرغباتھا سبيلا ولا منفذا.
وأيامئذ، لم تكن ثمة انحرافات يرفع أبو ذر ضدھا صوته ويفلحھا بكلماته اللاھبة…
ولقد طال عھد أمير المؤمنين عمر، فارضا على ولاة المسلمين وأمرائھم وأغنيائھم في كل مكان من
الأرض، زھدا وتقشفا، ودعلا يكاد يكون فوق طاقة البشر..
ان واليا من ولاته في العراق، أو في الشام، أ، في صنعاء.. أو في أي من البلاد النائية البعيدة، لا يكاد
يصل اليھا نوعا من الحلوى، لا يجد عامة الناس قدرة على شرائه، حتى يكون الخبر قد وصل الى عمر
www.islamicbulletin.comرجال حول الرسول صلى الله عليه وسلم
21
بعد أيام. وحتى تكون أوامره الصارمة قد ذھبت لتستدعي ذلك الوالي الى المدينة ليلقى حسابه
العسير.!!.
ليھنأ أبو ذر اذن.. وليھنأ أكثر ما دام الفاروق العظيم أميرا للمؤمنين..
وما دام لا يضايق أبا ذر في حياته شيء مثلما يضايقع استغلال السلطة، واحتكارالثروة، فان ابن الخطاب
بمراقبته الصارمة للسلطة، وتوزيعه العادل للثروة سيتيح له الطمأنينة والرضا..
وھكذا تفرغ لعبادة ربه، وللجھاد في سبيله.. غير لائذ بالصمت اذا رأى مخالفة ھنا، أو ھناك.. وقلما كان
يرى..
بيد أن أعظم، وأعدل، وأروع حكام البشرية قاطبة يرحل عن الدنيا ذات يوم، تاركا وراءه فراغا ھائلا،
ومحدثا رحيله من ردود الفعل ما لا ّ مفر منه ولا طاقة للناس به. وتستمر القتوح في ّ مدھا، ويعلو معھا
مد الرغبات والتطلع الى مناعم الحياة وترفھا..
ويرى أبو ذر الخطر..
ان ألوية المجد الشخصي توشك أن تفتن الذين كل دورھم في الحياة أن يرفعوا راية الله..
ان الدنيا بزخرفھا وغرورھا الضاري، توشك أن تفتن الذين كل رسالتھم أن يجعلوا منھا مزرعة للأعمال
الصالحات..
ان المال الذي جعله الله خادما مطيعا للانسان، يوشك أن ّ يتحول الى سيّد مستبد..
ومع من؟
مع أصحاب محمد الذي مات ودرعه مرھونة، في حين كانت أكوام الفيء والغنائم عند قدميه!!..
ان خيرات الأرض التي ذرأھا الله للناس جميعا.. وجعل حقھم فيھا متكافئا توشك أن اصير حكرا ومزية..
ان السلطة التي ھي مسؤولية ترتعد من ھول حساب الله عليھا أفئدة الأبرار، تتحول الى سبيل للسيطرة،
وللثراء، وللترف المدمر الوبيل..
رأى أبو ذر كل ھذا فلم يبحث عن واجبه ولا عن مسؤوليته.. بل راح يمد يمينه الى سيفه.. وھز به
الھواء فمزقه، ونھض قائما يواجه المجتمع بسيفه الذي لم تعرف له كبوة.. لكن سرعان ما ّ رن في فؤاده
صدى الوصية التي أوصاه بھا الرسول، فأعاد السيف الى غمده، فما ينبغي أن يرفعه في وجه مسلم..
)وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا الا خطأ(
ليس دوره اليوم أن يقتل.. بل أن يعترض..
وليس السيف أداة التغيير والتقويم، بل الكلمة الصادقة، الأمينة المستبسلة..
الكلمة العادلة التي لا تضل طريقھا، ولا ترھب عواقبھا.
لقد أخبر الرسول يوما وعلى ملأ من أصحابه، أن الأرض لم ّ تقل، وأن السماء لم ّ تظل أصدق لھجة من
أبي ذر..
ومن كان يملك ھذا القدر من صدق اللھجة، وصدق الاقتناع، فما حاجته الى السيف..؟
ان كلمة واحدة يقولھا، لأمضى من ملء الأرض سيوفا..

فليخرج بصدقه ھذا، الى الأمراء.. الى الأغنياء. الى جميع الذين أصبحوا يشكلون بركونھم الى الدنيا
خطرا على الدين الذي جاء ھاديا، لا جابيا.. ونبوة لا ملكا،.. ورحمة لا عذابا.. وتواضعا لا استعلاء..
وتكافؤ لا تمايز.. وقناعة لا جشعا.. وكفاية لا ترفا.. واتئادا في أخذ الحياة، لا فتونا بھا ولا تھالكا عليھا..
فليخرج الى ھؤلاء جميعا، حتى يحكم الله بينھم وبينه بالحق، وھو خير الحاكمين.
**
وخرج أبو ذر الى معاقل السلطة والثروة، يغزوھا بمعارضته معقلا معقلا.. وأصبح في أيام معدودات
الراية التي التفت حولھا الجماھير والكادحون.. حتى في الأقطار النائية التي لم يره أھلھا بعد.. طاره
اليھا ذكره. وأصبح لا يمر بأرض، بل ولا يبلغ اسمه قوما الا أثار تسؤلات ّ ھامة تھدد مصالح ذوي
الشلطة والثراء.
ولو أراد ھذا الثائر الجليل أن يتخذ لنفسه ولحركته علما خاصا لما كان الشعار المنقوش على العلم سوى
مكواة تتوھج حمرة ولھبا، فقد جعل نشيده وھتافه الذي يردده في كل مكان وزمان.. ويردده الانس عنه
كأنه نشيد.. ھذه الكلمات:
” ّ بشر الكانزين الذين يكنزون الذھب والفضة بمكاو من نار تكوى بھا جباھھم وجنوبھم يوم القيامة”..!!
لا يصغد جبلا، ولا ينزل سھلا، ولا يدخل مدينة، ولا يواجه أميرا الا وھذه الكلمات على لسانه.
ولم يعد الانس يبصرونه قادما الا استقبلوه بھذه الكلمات:
” ّ بشر الكانزين بمكاو من نار..”
لقد صارت ھذه العبارة علما على رسالته التي نذر حياته لھا، حين رأى الثروات تتركز وتحتكر.. وحين
رأى السلطة استعلاء واستغلال.. وحين رأى حب الدنيا يطغى ويوشك أن يطمر كل ما صنعته سنوات
الرسالة العظمى من جمال وورع، وتفان واخلاص..
لقد بدأ بأكثر تلك المعاقل سيطرة ورھبة.. ھناك في الشام حيث “معاوية بن أبي سفيان” يحكم أرضا
من أكثر بلاد الاسلام خصوبة وخيرا وفيضا، وانه ليعطي الأموال ويوزعھا بغير حساب، يتألف بھا
الناس الذين لھم حظ ومكانة، ويؤمن بھا مستقبله الذي كان يرنو اليه طموحه البعيد.
ھناك الضياع والقصور والثروات تفتن الباقية من حملة الجعوة، فليدرك أبو ذر الخطر قبل أن يحيق
ّ ويدمر..
وحسر زعيم المعارضة رداءه المتواضع عن ساقيه، وسابق الريح الى الشام..
ولم يكد الناس العاديون يسمعون بمقدمه حتى استقبلوه في حماسة وشوق، والتفوا حوله أينما ذھب
وسار..
حدثنا يا أبا ذر..
حدثنا يا صاحب رسول الله..
ويلقي أبو ذر على الجموع حوله نظرات فاحصة، فيرى أكثرھا ذوي حصاصة وفقر.. ثم يرنو ببصره
نحو المشارف القريبة فيرى القصور والضياع..
ثم يصرخ في الحافين حوله قائلا:
” عجبت لمن لا يجد القوت في بيته، كيف لا يخرج على الانس شاھرا سيفه..”؟؟!!

ثم يذكر من فوره وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضع الأناة مكان الانقلاب، والكلمة
الشجاعة مكان السيف.. فيترك لغة الحرب ھذه ويعود الى لغة المنطق والاقناع، فيعلم الناس جميعا أنھم
جميعا سواسية كأسنان المشط.. وأنھم جميعا شركاء في الرزق.. وأنه لا فضل لأحد على أحد الا
بالتقوى.. وأن أمير القوم ووليھم، ھو أول من يجوع اذا جاعوا، وآخر من شبع اذا شبعوا..
لقد قرر أن يخلق بكلماته وشجاعته رأيا ّ عاما من كل بلاد الاسلام يكون له من الفطنة والمناعة، والقوة
ما يجعله شكيمة لأمرائه وأغنيائه، وما يحول دون ظھور طبقات مستغلة للحكم، أو محتكرة للثروة.
وفي أيام قلائل، كانت الشام كلھا كخلايا نحل وجدت ملكتھا المطاعة.. ولو أعطى أبو ذر اشارة عابرة
بالثورة لاشتعلت نارا.. ولكنه كما قلنا، حصر اھتمامه في خلق رأي عام يفرض احترامه، وصارت كلماته
حديث المجالس والمساجد والطريق.
ولقد بلغ خطره على الامتيازات الناشئة مداه، يوم ناظر معاوية على ملأ من الناس. ثم أبلغ الشاھد
للمناظرة، الغائب عنھا. وسارت الرياح بأخبارھا..
ولقد وقف أبو ذر أصدق العالمين لھجة، كما وصفه نبيه وأستاذه..
وقف يسائل معاوية في غير خوف ولا مداراة عن ثروته قبل أن يصبح حاكما، وعن ثروته اليوم!!..
وعن البيت الذي كان يسكنه بمكة، وعن قصوره بالشام اليوم!!..
ثم يوجه السؤال للجالسين حوله من الصحابة الذين صحبوا معاوية الى الشام وصار لبعضھم قصور
وضياع.
ثم يصيح فيھم جميعا: أفأنت الذين نزل القرآن على الرسول وھو بين ظھرانيھم..؟؟
ويتولى الاجابة عنھم: نعم أنتم الذين نزل فيكم القرآن، وشھدتم مع الرسول المشاھد..
ثم يعود ويسأل: ألا تجدون في كتاب الله ھذه الآية:
)والذين يكنزون الذھب والفضة ولا ينفقونھا في سبيل الله فبشرھم بعذاب أليم.. يوم يحمى عليھا في نار
جھنّم، فتكوى بھا جباھھم، وجنوبھم، وظھورھم، ھذا ما كنزتم لأنفسكم، فذوقوا ما كنتم تكنزون..(؟؟
ويختلام معاوية طريق الحديث قائلا: لقد أنزلت ھذه الآية في أھل الكتاب..
ويصيح أبو ذر: لا بل أنزلت لنا ولھم..
ويتابع أبو ذر القول ناصحا معاوية ومن معه أن يخرجوا كل ما بأيديھم من ضياع وقصور وأموال.. وألا
ّ يدخر أحدھم لنفسه أكثر من حاجات يومه..
وتتناقل المحافل والجموع نبأ ھذه المناظرة وأنباء أبي ذر..
ويتعالى نشيد أبي ذر في البيوت والطرقات:
( بشر الكانزين بمكاو من نار يوم القيامة..)
ويستشعر معاوية الخطر، وتفزعه كلمات الثائر الجليل، ولكنه يعرف له قدره، فلا ّ يقر به بسوء، ويكتب
عن فوره للخليفة عثمان رضي الله عنه يقول له”: ان أبا ذر قد أفسد الانس بالشام..”
ويكتب عثمان لأبي ذر يستدعيه للمدينة.

ويحسر أبي ذر طرف ردائه عن ساقيه ّ مرة أخرى ويسافر الى المدينة تاركا الشام في يوم لم تشھد
دمشق مثله يوما من أيام الحفاوة والوداع!!..
**
(لا حاجة لي في دنياكم..)!!
ھكذا قال أبو ذر للخليفة عثمان بعد أن وصل الى المدسنة، وجرى بينھما حوار طويل.
لقد خرج عثمان من حواره مع صاحبه، ومن الأنباء التي توافدت عليه من كل الأقطار عن مشايعة
الجماھير لآراء أبي ذر، بادراك صحيح لخطر دعوته وقوتھا، وقرر أن يحتفظ به الى جواره في المدينة،
محددا بھا اقامته.
ولقد عرض عثمان قراره على أبي ذر عرضا رفيقا، رقيقا، فقال له”: ابق ھنا يجانبي، تغدو عليك القاح
وتروح..”
وأجابه أبو ذر:
(لا حاجة لي في دنياكم!.)
أجل لا حاجة له في دنيا الناس.. انه من أولئك القديسين الذين يبحثون عن ثراء الروح، ويحيون الحياة
ليعطوا لا ليأخذوا!!..
ولقد طلب من الخليفة عثمان رضي الله عنه أن يأذن له الخروج الى ّ الربذة فأذن له..
ولقد ظل وھو في احتدام معارضته أمينا Ϳ ورسوله، حافظا في اعماق روحه النصيحة التي وجھھا
اليه الرسول عليه الصلاة والسلام ألا يحمل السيف.. لكأن الرسول رأى الغيب كله.. غيب أبي ذر
ومستقبله، فأھدى اليه ھذه النصيحة الغالية.
ومن ثم لم يكن أبو ذر ليخفي انزعاجه حين يرى بعض المولعين بايقاد الفتنة يتخذون من دعوته سببا
لاشباع ولعھم وكيدھم.
جاءه يوما وھو في ّ الربدة وفد من الكوفة يسألونه أن يرفع راية الثورة ضد الخليفة، فزجرھم بكلمات
حاسمة:
” والله لو أن عثمان صلبني على أطول خشبة، أ جبل، لسمعت، وأطعت، وصبرت واحتسبت، ورأيت ذلك
خيرا لي”..
” ولوسيّرني ما بين الأفق الى الأفق، لسمعت وأطعت، وصبرت واحتسبت، ورأيت ذلك خيرا لي..
” ولو ّ ردني الى منزلي، لسمعت وأطعت، وصبرت واحتسبت، ورأيت ذلك خيرا لي..”
ذلك رجل لا يريد غرضا من أغراض الدنيا، ومن ثم أفاء الله عليه نور البصيرة.. ومن ثم مرة أخرى
أدرك ما تنطوي عليه الفتنة المسلحة من وبال وخطر فتحاشاھا.. كما أدرك ما ينطوي عليه الصمت من
وبال وخطر، فتحاشاه أيضا، ورفع صوته لا سيفه بكلمة الحق ولھجة الصدق، لا أطماع تغريه.. ولا
عواقب تثنيه.!.
لقد ّ تفرغ أبو ذر للمعارضة الأمينة وتبتّل.

وسيقضي عمره كله ّ يحدق في أخطاء الحكم وأخطاء المال، فالحكم والمال يملكان من الاغراء والفتنة
ما يخافه أبو ذر على اخوانه الذين حملوا راية الاسلام مع رسولھم صلى الله عليه وسلم، والذين يجب أن
يظلوا لھا حاملين.
والحكم والمال أيضا، ھما عصب الحياة للأمة والجماعات، فاذا اعتورھما الضلال تعرضت مصاير الناس
للخطر الأكيد.
ولقد كان أبو ذر يتمنى لأصحاب الرسول ألا يلي أحد منھم امارة أو يجمع ثروة، وأن يظلوا كما كانوا
ّ رواد للھدى، وعبّادا ..
وقد كان يعرف ضراوة الدنيا وضراوة المال، وكان يدرك أن أبا بكر وعمر لن يتكررا.. ولطالما سمع
النبي صلى الله عليه وسلم يحذر أصحابه من اغراء الامارة ويقول عنھا:
..” انھا أمانة، وانھا يوم القيامة خزي وندامة.. الا من أخذھا بحقھا، ّ وأدى الذي عليه فيھا…”
ولقد بلغ الأمر بأبي ذر لى تجنّب اخوانه ان لم يكن مقاطعتھم،لأنھم ولوا الامارات، وصار لھم بطبيعة
الحال ثراء وفرة..
لقيه أبو موسى الأشعري يوما، فلم يكد يراه حتى فتح له ذراعيه وھو يصيح من الفرح بلقائه”: مرحبا
أبا ذر.. مرحبا بأخي.”
ولكن أبا ذر دفعه عنه وھو يقول:
” لست بأخيك، انما كنت أخاك قبل أن تكون واليا وأميرا!..”
كذلك لقيه أبو ھريرة يوما واحتضنه ّ مرحبا، ولكن أبا ذر ّ نحاه عنه بيده وقال له:
)اليك عني.. ألست الذي وليت الامارة، فتطاولت في البنيان، واتخذت لك ماشية وزرعا..(؟؟
ومضى أبو ھريرة يدافع عن نفسه ويبرئھا من تلك الشائعات..
وقد يبدو أبو ذر مبالغا في موقفه من الجكم والثروة..
ولكن لأبي ذر منطقه الذي يشكله صدقه مع نفسه، ومع ايمانه، فأبو ذر يقف بأحلامه وأعماله.. بسلوكه
ورؤاه، عند المستوى الذي خلفه لھم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه.. أبو بكر وعمر..
واذا كان البعض يرى في ذلك المستوى مثالية لا يدرك شأوھا، فان ابا ذر يراھا قدوة ترسم طريق
الحياة والعمل، ولا سيما لأولئك الرجال الذين عاصروا الرسول عليه السلام، وصلوا وراءه، وجاھدوا
معه، وبايعوه على السمع والطاعة.
كما أنه يدرك بوعيه المضيء، ما للحكم وما للثروة من أثر حاسم في مصاير الناس، ومن ثم فان أي خلل
يصيب أمانة الحكم، أو عدالة الثروة، يشكل خطرا يجب دحضه ومعارضته.
**
ولقد عاش أبو ذر ما استطاع حاملا لواء القدوة العظمى للرسول عليه السلام وصاحبيه، أمينا عليھا،
حارسا لھا.. وكان أستاذ في فن التفوق على مغريات الامارة والثروة،…
عرضت عليه الامارة بالعراق فقال:

” لا والله.. لن تميلوا ّ علي بدنياكم أبدا..”
ورآه صاحبه يوما يلبس جلبابا قديما فسأله:
أليس لك ثوب غير ھذا..؟! لقد رأيت معك منذ أيام ثوبين جديدين..؟
فأجابه أبو ذر: ” يا بن أخي.. لقد أعطيتھما من ھو أحوج اليھما مني..”
قال له: والله انك لمحتاج اليھما!!
فأجاب أب ذر: “اللھم غفر.. انك لمعظّم للدنيا، ألست ترى ّ علي ھذه البردة..؟؟ ولي أخرى لصلاة
الجمعة، ولي عنزة أحلبھا، وأتان أركبھا، فأي نعمة أفضل ما نحن فيه..”؟؟
**
وجلس يوما ّ يحدث ويقول:
]أوصاني خليلي بسبع..
أمرني بحب المساكين والدنو منھم..
وأمرني أن أنظر الى من ھو دوني، ولاأنظر الى من ھو فوقي..
وأمرني ألا أسأل أحد شيئا..
وأمرني أن أصل الرحم..
وأمرني أن أقول الحق وان كان ّ مرا..
وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم..
وأمرني أن أكثر من: لا حول ولا قوة الا با.[
ولقد عاش ھذه الوصية، وصاغ حياته وفقھا، حتى صار “ضميرا” بين قومه وأمته..
ويقول الامام علي رضي الله عنه:
“لم يبق اليوم أحد لا يبالي في الله لومة لائم غير أبي ذر!!..”
عاش يناھض استغلال الحكم، واحتكار الثروة..
عاش يدحض الخطأ، ويبني الصواب..
عاش متبتلا لمسؤولية النصح والتحذير..
يمنعونه من الفتوى، فيزداد صوته بھا ارتفاعا، ويقول لمانعيه:
” والذي نفسي بيده، لو وضعتم السيف فوق عنقي، ثم ظننت أني منفذ كلمة سمعتھا من رسول الله صلى
الله عليه وسلم قبل أن تحتزوا لأنفذتھا!!..”
ويا ليت المسلمين استمعوا يومئذ لقوله ونصحه..
اذن لما ماتت في مھدھا تلك الفتن التي تفقم فيما بعد أمرھا واستفحل خطرھا، ّ وعرضت تادواة والمجتمع
والاسلام لأخطار، ما كان أقساھا من أخطار.
والآن يعالج أبو ذر سكرات الموت في الربذة.. المكان الذي اختار الاقامة فيه اثر خلافه مع عثمان رضي
الله عنه، فتعالوا بنا اليه نؤد للراحل العظيم تحية الوداع، ونبصر في حياته الباھرة مشھد الختام.

ان ھذه السيدة السمراء الضامرة، الجالسة الى جواره تبكي، ھي زوجته..
وانه ليسألھا: فيم البكاء والموت حق..؟
فتجيبه بأنھا تبكي: ” لأنك تموت، وليس عندي ثوب يسعك كفنا!!..”
..” لا تبكي، فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وأنا عنده في نفر من أصحابه يقول:
ّ ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض، تشھده عصابة من المؤمنين..
وكل من كان معي في ذلك المجلس مات في جماعة وقرية، ولم يبق منھم غيري .. وھأنذا بالفلاة أموت،
فراقبي الطريق،، فستطلع علينا عصابة من المؤمنين، فاني والله ما كذبت ولا كذبت.”
وفاضت روحه الى الله..
ولقد صدق..
فھذه القافلة التي تغذ السير في الصحراء، تؤلف جماعة من المؤمنين، وعلى رأسھم عبدالله بن مسعود
صاحب رسول الله.
وان ابن مسعود ليبصر المشھد قبل أن يبلغه.. مشھد جسد ممتد يبدو كأنه جثمان ميّت، والى جواره
سيدة وغلام يبكيان..
ويلوي زمام دابته والركب معه صوب المشھد، ولا يكاد يلقي نظرة على الجثمان، حتى تقع عيناه على
وجه صاحبه وأخيه في الله والاسلام أبي ذر.
وتفيض عيناه بالدمع، ويقف على جثمانه الطاھر يقول:” صدق رسول الله.. نمشي وحدك، وتموت
وحدك، وتبعث وحدك!.”
ويجلس ابن مسعود رضي الله عنه لصحبه تفسير تلك العبارة التي نعاه بھا”: تمشي وحدك.. وتموت
حدك.. وتبعث وحدك…”
**
كان ذلك في غزوة تبوك.. سنة تسع من الھجرة، وقد أمر الرسول عليه السلام بالتھيؤ لملاقاة الروم،
الذين شرعوا يكيدون للاسلام ويأتمرون به.
وكانت الأيام التي دعى فيھا الناس للجھاد أيام عسر وقيظ..
وكانت الشقة بعيدة.. والعدو مخيفا..
ولقد تقاعس عن الخروج نفر من المسلمين، تعللوا بشتى المعاذير..
وخرج الرسول وصحبه.. وكلما أمعنوا في السير ازدادوا جھدا ومشقة، فجعل الرجل يتخلف، ويقولون يا
رسول اللھتخلف فلان، فيقول:
” دعوه.
فان يك فيه خير فسيلحقه الله بكم..
وان يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه!!..”
وتلفت القوم ذات مرة، فلم يجدوا أبا ذر.. وقالوا للرسول عليه الصلاة والسلام:
لقد تخلف أبو ذر، وأبطأ به بعيره..
وأعاد الرسول مقالته الأولى..
كان بعير أبي ذر قد ضعف تحت وطأة الجوع والظمأ والحر وتعثرت من الاعياء خطاه..

وحاول أبو ذر أن يدفعه للسير الحثيث بكل حيلة وجھد، ولكن الاعياء كان يلقي ثقله على البعير..
ورأى أبو ذر أنه بھذا سيتخلف عن المسلمين وينقطع دونھم الأثر، فنزل من فوق ظھر البعير، وأخذ
متاعه وحمله على ظھره ومضى ماشيا على قدميه، مھرولا، وسط صحراء ملتھبة، كما يدرك رسوله
عليه السلام وصحبه..
وفي الغداة، وقد وضع المسلمون رحالھم ليستريحوا، بصر أحدھم فرأى سحابة من النقع والغبار تخفي
وراءھا شبح رجل يغذ السير..
وقال الذي رأى: يا رسول الله، ھذا رجل يمشي على الطريق وحده..
وقال الرسول عليه الصلاة والسلام:
(كن أبا ذر..)
وعادوا لما كانوا فيه من حديث، ريثما يقطع القادم المسافة التي تفصله عنھم، وعندھا يعرفون من ھو..
وأخذ المسافر الجليل يقترب منھم رويدا.. يقتلع خطاه من الرمل المتلظي اقتلاعا، وحمله فوق ظھره
بتؤدة.. ولكنه مغتبط فرحان لأنه أردك القافلة المباركة، ولم يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
واخوانه المجاھدين..
وحين بلغ أول القافلة، صاح صائھحم: يار سول الله: انه والله أبا ذر..
وسار أبو ذر صوب الرسول.
ولم يكد صلى الله عليه وسلم يراه حتى تألقت على وجھه ابتسامة حانية واسية، وقال:
]يرحم الله أبا ذر..
يمشي وحده..
ويموت وحده..
ويبعث وحده.[..
وبعد مضي عشرين عاما على ھذا اليوم أو تزيد، مات أبو ذر وحيدا، في فلاة الربذة.. بعد أن سار
حياته كلھا وحيدا على طريق لم يتألق فوقه سواه.. ولقد بعث في التاريخ وحيدا في عظمة زھده، وبطولة
صموده..
ولسوف يبعث عند الله وحيدا كذلك؛ لأن زحام فضائله المتعددة، لن يترك بجانبه مكانا لأحد سواه!!


زعيم المعارضة وعدو الثروات
أقبل على مكة نشوان مغتبطا..
صحيح أن وعثاء السفر وفيح الصحراء قد وقذاه بالضنى والألم، بيد أن الغاية التي يسعى اليھا، أنسته
جراحه، وأفاضت على روحه الحبور والبشور.
ودخلھا متنكرا، كأنه واحد من أولئك الذين يقصدونھا ّ ليطوفوا بآلھة الكعبة العظام.. أو كأنه عابر سبيل
ضل طريقه، أو طال به السفر والارتحال فأوى اليھا يستريح ّ ويتزود.
فلو علم أھل مكة أنه جاء يبحث عن محمد صلى الله عليه وسلم، ويستمع اليه لفتكوا به.
وھو لا يرى بأسا في أن يفتكوا به، ولكن بعد أن يقابل الرجل الي قطع الفيافي ليراه، وبعد أن يؤمن به،
ان اقتنع بصدقه واطمأن لدعوته..
ولقد مضى ّ يتسمع الأنباء من بعيد، وكلما سمع قوما يتحدثون عن محمد اقترب منھم في حذر، حتى جمع
من نثارات الحديث ھنا وھناك ما دله على محمد، وعلى المكان الذي يستطيع أن يراه فيه.
في صبيحة يوم ذھب الى ھناك، فوجد الرسول صلى الله عليه وسلم جالاسا وحده، فاقترب منه وقال:
نعمت صباحا يا أخا العرب..
فأجاب السول عليه الصلاة والسلام: وعليك السلام يا أخاه.
قال أبو ذر:أنشدني مما تقول..
فأجاب الرسول عليه الصلاة والسلام: ما ھو بشعر فأنشدك، ولكنه قرآن كريم.
قال أ]و ذر: اقرأ ّ علي..

فقرأ عليه الرسول، وأ]و ذر يصغي.. ولم يمضي من الوقت غير قليل حتى ھتف أبو ذر:
“أشھد أن لا اله الا الله.
وأشھد أن محمدا عبده ورسوله!”
وسأله النبي: ممن أنت يا أخا العرب..؟
فأجابه أبو ذر: من غفار..
وتألقت ابتسامة على فم السول صلى الله عليه وسلم، واكتسى وجھه الدھشة والعجب..
وضحك أبو ذر كذلك، فھو يعرف سر العجب الذي كسا وجه الرسول عليه السلام حين علم أن ھذا الذي
يجھر بالاسلام أمامه انما ھو رجل من غفار!!..
فغفار ھذه قبيلة لا يدرك لھا شأو في قطع الطريق!!..
وأھلھا مضرب الأمثال في السطو غير المشروع.. انھم حلفاء الليل والظلام، والويل لمن يسلمه الليل الى
واحد من قبيلة غفار.
أفيجيء منھم اليوم، والاسلام لا يزال دينا غ ّ صا مستخفيا، واحد ليسلم..؟!
يقول أبو ذر وھو يروي القصة بنفسه:
..” فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يرفع بصره ّ ويصوبه تعجبا، لما كان من غفار، ثم قال: ان الله يھدي
من يشاء.
ولقد كان أبو ذر رضي الله عنه أحد الذين شاء لھم الھدى، وأراد بھم الخير.
وانه لذو بصر بالحق، فقد روي عنه أنه أحد الذين شاء الله لھم الھدى، وأراد بھم الخير.
وانه لذو بصر بالحق، فقد روي عنه أنه أحد الذين كلنوا يتألھون في الجاھلية، أي ّ يتمردون على عبادة
الأصنام، ويذھبون الى الايمان باله خالق عظيم. وھكذا ما كاد يسمع بظھور نبي يسفّه عبادة الأصناك
وعبّادھا، ويدعو الى عبادة الله الواحد القھار، حتى حث اليه الخطى، ّ وشد الرحال.
**
أسلم أبو ذر من فوره..
وكان ترتيبه في المسلمين الخامس أو السادس..
اذن، ھو قد أسلم في الأيام الأولى، بل الساعات الأولى للاسلام، وكان اسلامه مبكرا..
وحين أسلم كلن الرسول يھمس بالدعوة ھمسا.. يھمس بھا الى نفسه، والى الخمسة الذين آمنوا معه،
ولم يكن أمام أبي ذر الا أن يحمل ايمانه بين جنبيه، ويتسلل به مغادرا مكة، وعائدا الى قومه…
ولكن أبا ذر، جندب بن جنادة، يحمل طبيعة فوارة جيّاشة.
لقد خلق ّ ليتمرد على الباطل أنى يكون.. وھا ھو ذا يرى الباطل بعينيه.. حجارة مرصوصة، ميلاد عابديھا
أقدم من ميلادھا، تنحني أمامھا الجباه والعقول، ويناديھا الناس: لبيك.. لبيك!!..
وصحيح أنه رأى الرسول يؤثر لھمس في أيامه تلك.. ولكن لا ّ بد من صيحة يصيحھا ھذا الثائر الجليل
قبل أن يرحل.
لقد توجه الى الرسول عليه الصلاة والسلام فور اسلامه بھذا السؤال:
يا رسول الله، بم تأمرني..؟

فأجابه الرسول: ترجع الى قومك حتى يبلغك أمري..
فقال أبو ذر: والذي نفسي بيده لا أرجع حتى أصرخ بالاسلام في المسجد!!..
ألم أقل لكم..؟؟
تلك طبيعة ّ متمردة جيّاشة، أفي اللحظة التي يكشف فيھا أبو ذر عالما جديدا بأسره يتمثل في الرسول
الذي آمن به، وفي الدعوة التي سمع بتباشيرھا على لسانه.. أفي ھذه اللحظة يراد له أن يرجع الى أھله
صامتا.؟
ھذا أمر فوق طاقته..
ھنالك دخل المسجد الحرام ونادى بأعلى صوته:
]أشھد أن لا اله الا الله.. وأشھد أن محمدا رسول الله…[
كانت ھذه الصيحة أول صيحة بالاسلام ّ تحدت كبرياء قريش وقرعت أسماعھا.. صاحھا رجل غريب
ليس له في ّ مكة حسب ولا نسب ولا حمى..
ولقد لقي ما لم يكن يغيب عن فطنته أنه ملاقيه.. فقد أحاط به المشركون وضربوه حتى صرعوه..
وترامى النبأ الى العباس عم النبي، فجاء يسعى، وما استطاع أن ينقذه من بين أنيابھم الا بالحيلة لذكية،
قال له:
“يا معشر قريش، أنتم تجار، وطريقكم على غفار،، وھذا رجل من رجالھا، ان ّ يحرض قومه عليكم،
يقطعوا على قوافلكم الطريق..” فثابوا الى رشدھم وتركوه.
ولكن أبا ذر، وقد ذاق حلاوة الأذى في سبيل الله، لا يريد أن يغادر مكة حتى يظفر من طيباته بمزيد!!…
وھكذا لا يكاد في اليوم الثاني وربما في نفس اليوم، يلقى امرأتين تطوفان بالصنمين )أساف، واثلة(
ودعوانھما، حتى يقف عليھما ويسفه الصنمين تسفيھا مھينا.. فتصرخ المرأتان، ويھرول الرجال
كالجراد، ثم لا يفتون يضربونه حتى يفقد وعيه..
وحين يفيق يصرخ مرة أخرى بأنه ” يشھد أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله.” ويدرك الرسول
عليه الصلاة والسلام طبيعة تلميذه الجديد الوافد، وقدرته الباھرة على مواجھة الباطل. بيد أن وقته لم
يأت بعد، فيعيد عليه أمره بالعودة الى قومه، حتى اذا سمع بظھور الدين عاد وأدلى في مجرى الأحداث
دلوه..
**
ويعود أبو ذر الى عشيرته وقومه، فيحدثھھم عن النبي الذي ظھر يدعو الى عبادة الله وحده ويھدي
لمكارم الأخلاق، ويدخل قومه في الاسلام، واحدا اثر واحد.. ولا يمتفي بقبيلته غفار، بل ينتقل الى قبيلة
أسلم فيوقد فيھا مصابيحه..!!
وتتابع الأيام رحلتھا في موكب الزمن، ويھاجر الرسول صلى الله عليه وسلم الى المدينة، ويستقر بھا
والمسلمون معه.
وذات يوم تستقبل مشارفھا صفوفا طويلة من المشاة والركبان، أثارت أقدامھم النقع.. ولولا تكبيراتھم
الصادعة، لحبسھم الرائي جيشا مغيرا من جيوش الشرك..
اقترب الموكب اللجب.. ودخل المدينة.. ويمم وجھه شطر مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ومقامه..

لقد كان الموكب قبيلتي غفار وأسلم، جاء بھما ابو ذر مسلمين جميعا رجالا ونساءا. شيوخا وشبابا،
وأطفالا!!..
وكان من حق الرسول عليه الصلاة والسلام أن يزداد عجبا ودھشة..
فبالأمس البعيد عجب كثيرا حين رأى أمامه رجلا واحدا من غفار يعلن اسلامه وايمانه، وقال معبّرا عن
دھشته:
“ان الله يھدي من يشاء!!..”
أما اليوم فان قبيلة غفار بأجمعھا تجيئه مسلمة..وقد قطعت في الاسلام بضع سنين منذ ھداھا الله على يد
أبي ذر، وتجيء معھا قبيلة أسلم..
ان عمالقة السطور وحلفاء الشيطان، قد أصبحوا عمالقة في الخير وحلفاء للحق.
أليس الله يھدي من يشاء حقا..؟؟
لقد ألقى الرسول عليه الصلاة والسلام على وجوھھم الطيبة نظرات تفيض غبطة وحنانا وودا..
ونظر الى قبيلة غفار وقال:
“غفار غفر الله لھا.”
ثم الى قبيلة أسلم فقال:
“وأسلم سالمھا الله..”
وأبو ذر ھذا الداعية الرائع.. القوي الشكيمة، العزيز المنال.. ألا يختصه الرسول عليه الصلاة والسلام
بتحية..؟؟
أجل.. ولسوف يكون جزاؤه موفورا، وتحيته مباركة..
ولسوف يحمل صدره، ويحمل تاريخه، أرفع الأوسمة وأكثرھا جلالا وعزة..
ولسوف تفنى القرون والأجيال، والناس يرددون رأي الرسول صلى الله عليه وسلم في أبي ذر:
” ما أقلّت الغبراء، ولا أظلّت الصحراء أصدق لھجة من أبي ذر!!..”
ويدرك الرسول عليه الصلاة والسلام طبيعة تلميذه الجديد الوافد، وقدرته اباھرة على مواجھة الباطل..
بيد أن وقته لم يأت بعد، فيعيد عليه أمره بالعودة الى قومه، حتى اذا سمع بظھور الدين عاد وأدلى في
مجرى الأحداث دلّوه..
**
أصدق لھجة في أبي ذر..؟
لقد قرأ الرسول عليه الصلاة والسلام مستقبل صاحبه، ولخص حياته كلھا في ھذه الكلمات..
فالصدق الجسور، ھو جوھر حياة أبي ذر كلھا..
صدق باطمه، وصدق ظاھره..
صدق عقيدته وصدق لھجته..
ولسوف يحيا صادقا.. لا يغالط نفسه، ولا يغالط غيره، ولا يسمح لأحد أن يغالطه..
ولئن يكون صدقه فضيلة خرساء.. فالصدق الصامت ليس صدقا عند أبي ذر..
انما الصدق جھر وعلن.. جھر بالحق وتحد للباطل..تأييد للصواب ودحض للخطأ..
الصدق ولاء رشيد للحق، وتعبير جريء عنه، وسير حثيث معه..

ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم ببصيرته الثاقبة عبر الغيب ّ القصي والمجھول البعيد كل
المتاعب التي سيفيئھا على أبي ذر صدقه وصلابته، فكان يأمره دائما أن يجعل الأناة والصبر نھجه
وسبيله.
وألقى الرسول يوما ھذا السؤال:
” يا أبا ذر كيف أنت اذا أدركك أمراء يستأثرون بالفيء..”؟
فأجاب قائلا:
“اذن والذي بعثك بالحق، لأضربن بسيفي!!.”
فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام:
“أفلا أدلك على خير من ذلك..؟
اصبر حتى تلقاني.”
ترى لماذا سأله الرسول ھذا السؤال بالذات..؟؟
الأمراء.. والمال..؟؟
تلك قضية أبي ذر التي سيھبھا حياته، وتلك مشكلته مع المجتمع ومع المستقبل..
ولقد عرفھا رسول الله صلى الله عليه وسلم فألقى عليه السؤال، ليزوده ھذه النصيحة الثمينة”:اصبر
حتى تلقاني..”
ولسوف يحفظ أبو 1ر وصية معلمه، فلن يحمل السيف الذي ّ تود به الأمراء الذين يثرون من مال الأمة..
ولكنه أيضا لن يسكت عنھم لحظة من نھار..
أجل اذا كان الرسول قد نھاه عن حمل السيف في وجوھھم، فانه لا ينھاه عن أن يحمل في الحق لسانه
البتار..
ولسوف يفعل..
**
ومضى عھد الرسول، ومن بعده عصر أبي بكر، وعصر عمر في تفوق كامل على مغريات الحياة
ودواعي الفتنة فيھا..
حتى تلك النفوس المشتھية الراغبة، لم تكن تجد لرغباتھا سبيلا ولا منفذا.
وأيامئذ، لم تكن ثمة انحرافات يرفع أبو ذر ضدھا صوته ويفلحھا بكلماته اللاھبة…
ولقد طال عھد أمير المؤمنين عمر، فارضا على ولاة المسلمين وأمرائھم وأغنيائھم في كل مكان من
الأرض، زھدا وتقشفا، ودعلا يكاد يكون فوق طاقة البشر..
ان واليا من ولاته في العراق، أو في الشام، أ، في صنعاء.. أو في أي من البلاد النائية البعيدة، لا يكاد
يصل اليھا نوعا من الحلوى، لا يجد عامة الناس قدرة على شرائه، حتى يكون الخبر قد وصل الى عمر

بعد أيام. وحتى تكون أوامره الصارمة قد ذھبت لتستدعي ذلك الوالي الى المدينة ليلقى حسابه
العسير.!!.
ليھنأ أبو ذر اذن.. وليھنأ أكثر ما دام الفاروق العظيم أميرا للمؤمنين..
وما دام لا يضايق أبا ذر في حياته شيء مثلما يضايقع استغلال السلطة، واحتكارالثروة، فان ابن الخطاب
بمراقبته الصارمة للسلطة، وتوزيعه العادل للثروة سيتيح له الطمأنينة والرضا..
وھكذا تفرغ لعبادة ربه، وللجھاد في سبيله.. غير لائذ بالصمت اذا رأى مخالفة ھنا، أو ھناك.. وقلما كان
يرى..
بيد أن أعظم، وأعدل، وأروع حكام البشرية قاطبة يرحل عن الدنيا ذات يوم، تاركا وراءه فراغا ھائلا،
ومحدثا رحيله من ردود الفعل ما لا ّ مفر منه ولا طاقة للناس به. وتستمر القتوح في ّ مدھا، ويعلو معھا
مد الرغبات والتطلع الى مناعم الحياة وترفھا..
ويرى أبو ذر الخطر..
ان ألوية المجد الشخصي توشك أن تفتن الذين كل دورھم في الحياة أن يرفعوا راية الله..
ان الدنيا بزخرفھا وغرورھا الضاري، توشك أن تفتن الذين كل رسالتھم أن يجعلوا منھا مزرعة للأعمال
الصالحات..
ان المال الذي جعله الله خادما مطيعا للانسان، يوشك أن ّ يتحول الى سيّد مستبد..
ومع من؟
مع أصحاب محمد الذي مات ودرعه مرھونة، في حين كانت أكوام الفيء والغنائم عند قدميه!!..
ان خيرات الأرض التي ذرأھا الله للناس جميعا.. وجعل حقھم فيھا متكافئا توشك أن اصير حكرا ومزية..
ان السلطة التي ھي مسؤولية ترتعد من ھول حساب الله عليھا أفئدة الأبرار، تتحول الى سبيل للسيطرة،
وللثراء، وللترف المدمر الوبيل..
رأى أبو ذر كل ھذا فلم يبحث عن واجبه ولا عن مسؤوليته.. بل راح يمد يمينه الى سيفه.. وھز به
الھواء فمزقه، ونھض قائما يواجه المجتمع بسيفه الذي لم تعرف له كبوة.. لكن سرعان ما ّ رن في فؤاده
صدى الوصية التي أوصاه بھا الرسول، فأعاد السيف الى غمده، فما ينبغي أن يرفعه في وجه مسلم..
)وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا الا خطأ(
ليس دوره اليوم أن يقتل.. بل أن يعترض..
وليس السيف أداة التغيير والتقويم، بل الكلمة الصادقة، الأمينة المستبسلة..
الكلمة العادلة التي لا تضل طريقھا، ولا ترھب عواقبھا.
لقد أخبر الرسول يوما وعلى ملأ من أصحابه، أن الأرض لم ّ تقل، وأن السماء لم ّ تظل أصدق لھجة من
أبي ذر..
ومن كان يملك ھذا القدر من صدق اللھجة، وصدق الاقتناع، فما حاجته الى السيف..؟
ان كلمة واحدة يقولھا، لأمضى من ملء الأرض سيوفا..

فليخرج بصدقه ھذا، الى الأمراء.. الى الأغنياء. الى جميع الذين أصبحوا يشكلون بركونھم الى الدنيا
خطرا على الدين الذي جاء ھاديا، لا جابيا.. ونبوة لا ملكا،.. ورحمة لا عذابا.. وتواضعا لا استعلاء..
وتكافؤ لا تمايز.. وقناعة لا جشعا.. وكفاية لا ترفا.. واتئادا في أخذ الحياة، لا فتونا بھا ولا تھالكا عليھا..
فليخرج الى ھؤلاء جميعا، حتى يحكم الله بينھم وبينه بالحق، وھو خير الحاكمين.
**
وخرج أبو ذر الى معاقل السلطة والثروة، يغزوھا بمعارضته معقلا معقلا.. وأصبح في أيام معدودات
الراية التي التفت حولھا الجماھير والكادحون.. حتى في الأقطار النائية التي لم يره أھلھا بعد.. طاره
اليھا ذكره. وأصبح لا يمر بأرض، بل ولا يبلغ اسمه قوما الا أثار تسؤلات ّ ھامة تھدد مصالح ذوي
الشلطة والثراء.
ولو أراد ھذا الثائر الجليل أن يتخذ لنفسه ولحركته علما خاصا لما كان الشعار المنقوش على العلم سوى
مكواة تتوھج حمرة ولھبا، فقد جعل نشيده وھتافه الذي يردده في كل مكان وزمان.. ويردده الانس عنه
كأنه نشيد.. ھذه الكلمات:
” ّ بشر الكانزين الذين يكنزون الذھب والفضة بمكاو من نار تكوى بھا جباھھم وجنوبھم يوم القيامة”..!!
لا يصغد جبلا، ولا ينزل سھلا، ولا يدخل مدينة، ولا يواجه أميرا الا وھذه الكلمات على لسانه.
ولم يعد الانس يبصرونه قادما الا استقبلوه بھذه الكلمات:
” ّ بشر الكانزين بمكاو من نار..”
لقد صارت ھذه العبارة علما على رسالته التي نذر حياته لھا، حين رأى الثروات تتركز وتحتكر.. وحين
رأى السلطة استعلاء واستغلال.. وحين رأى حب الدنيا يطغى ويوشك أن يطمر كل ما صنعته سنوات
الرسالة العظمى من جمال وورع، وتفان واخلاص..
لقد بدأ بأكثر تلك المعاقل سيطرة ورھبة.. ھناك في الشام حيث “معاوية بن أبي سفيان” يحكم أرضا
من أكثر بلاد الاسلام خصوبة وخيرا وفيضا، وانه ليعطي الأموال ويوزعھا بغير حساب، يتألف بھا
الناس الذين لھم حظ ومكانة، ويؤمن بھا مستقبله الذي كان يرنو اليه طموحه البعيد.
ھناك الضياع والقصور والثروات تفتن الباقية من حملة الجعوة، فليدرك أبو ذر الخطر قبل أن يحيق
ّ ويدمر..
وحسر زعيم المعارضة رداءه المتواضع عن ساقيه، وسابق الريح الى الشام..
ولم يكد الناس العاديون يسمعون بمقدمه حتى استقبلوه في حماسة وشوق، والتفوا حوله أينما ذھب
وسار..
حدثنا يا أبا ذر..
حدثنا يا صاحب رسول الله..
ويلقي أبو ذر على الجموع حوله نظرات فاحصة، فيرى أكثرھا ذوي حصاصة وفقر.. ثم يرنو ببصره
نحو المشارف القريبة فيرى القصور والضياع..
ثم يصرخ في الحافين حوله قائلا:
” عجبت لمن لا يجد القوت في بيته، كيف لا يخرج على الانس شاھرا سيفه..”؟؟!!

ثم يذكر من فوره وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضع الأناة مكان الانقلاب، والكلمة
الشجاعة مكان السيف.. فيترك لغة الحرب ھذه ويعود الى لغة المنطق والاقناع، فيعلم الناس جميعا أنھم
جميعا سواسية كأسنان المشط.. وأنھم جميعا شركاء في الرزق.. وأنه لا فضل لأحد على أحد الا
بالتقوى.. وأن أمير القوم ووليھم، ھو أول من يجوع اذا جاعوا، وآخر من شبع اذا شبعوا..
لقد قرر أن يخلق بكلماته وشجاعته رأيا ّ عاما من كل بلاد الاسلام يكون له من الفطنة والمناعة، والقوة
ما يجعله شكيمة لأمرائه وأغنيائه، وما يحول دون ظھور طبقات مستغلة للحكم، أو محتكرة للثروة.
وفي أيام قلائل، كانت الشام كلھا كخلايا نحل وجدت ملكتھا المطاعة.. ولو أعطى أبو ذر اشارة عابرة
بالثورة لاشتعلت نارا.. ولكنه كما قلنا، حصر اھتمامه في خلق رأي عام يفرض احترامه، وصارت كلماته
حديث المجالس والمساجد والطريق.
ولقد بلغ خطره على الامتيازات الناشئة مداه، يوم ناظر معاوية على ملأ من الناس. ثم أبلغ الشاھد
للمناظرة، الغائب عنھا. وسارت الرياح بأخبارھا..
ولقد وقف أبو ذر أصدق العالمين لھجة، كما وصفه نبيه وأستاذه..
وقف يسائل معاوية في غير خوف ولا مداراة عن ثروته قبل أن يصبح حاكما، وعن ثروته اليوم!!..
وعن البيت الذي كان يسكنه بمكة، وعن قصوره بالشام اليوم!!..
ثم يوجه السؤال للجالسين حوله من الصحابة الذين صحبوا معاوية الى الشام وصار لبعضھم قصور
وضياع.
ثم يصيح فيھم جميعا: أفأنت الذين نزل القرآن على الرسول وھو بين ظھرانيھم..؟؟
ويتولى الاجابة عنھم: نعم أنتم الذين نزل فيكم القرآن، وشھدتم مع الرسول المشاھد..
ثم يعود ويسأل: ألا تجدون في كتاب الله ھذه الآية:
)والذين يكنزون الذھب والفضة ولا ينفقونھا في سبيل الله فبشرھم بعذاب أليم.. يوم يحمى عليھا في نار
جھنّم، فتكوى بھا جباھھم، وجنوبھم، وظھورھم، ھذا ما كنزتم لأنفسكم، فذوقوا ما كنتم تكنزون..(؟؟
ويختلام معاوية طريق الحديث قائلا: لقد أنزلت ھذه الآية في أھل الكتاب..
ويصيح أبو ذر: لا بل أنزلت لنا ولھم..
ويتابع أبو ذر القول ناصحا معاوية ومن معه أن يخرجوا كل ما بأيديھم من ضياع وقصور وأموال.. وألا
ّ يدخر أحدھم لنفسه أكثر من حاجات يومه..
وتتناقل المحافل والجموع نبأ ھذه المناظرة وأنباء أبي ذر..
ويتعالى نشيد أبي ذر في البيوت والطرقات:
) ّ بشر الكانزين بمكاو من نار يوم القيامة..(
ويستشعر معاوية الخطر، وتفزعه كلمات الثائر الجليل، ولكنه يعرف له قدره، فلا ّ يقر به بسوء، ويكتب
عن فوره للخليفة عثمان رضي الله عنه يقول له”: ان أبا ذر قد أفسد الانس بالشام..”
ويكتب عثمان لأبي ذر يستدعيه للمدينة.

ويحسر أبي ذر طرف ردائه عن ساقيه ّ مرة أخرى ويسافر الى المدينة تاركا الشام في يوم لم تشھد
دمشق مثله يوما من أيام الحفاوة والوداع!!..
**
(لا حاجة لي في دنياكم..)!!
ھكذا قال أبو ذر للخليفة عثمان بعد أن وصل الى المدسنة، وجرى بينھما حوار طويل.
لقد خرج عثمان من حواره مع صاحبه، ومن الأنباء التي توافدت عليه من كل الأقطار عن مشايعة
الجماھير لآراء أبي ذر، بادراك صحيح لخطر دعوته وقوتھا، وقرر أن يحتفظ به الى جواره في المدينة،
محددا بھا اقامته.
ولقد عرض عثمان قراره على أبي ذر عرضا رفيقا، رقيقا، فقال له”: ابق ھنا يجانبي، تغدو عليك القاح
وتروح..”
وأجابه أبو ذر:
(لا حاجة لي في دنياكم!.)
أجل لا حاجة له في دنيا الناس.. انه من أولئك القديسين الذين يبحثون عن ثراء الروح، ويحيون الحياة
ليعطوا لا ليأخذوا!!..
ولقد طلب من الخليفة عثمان رضي الله عنه أن يأذن له الخروج الى ّ الربذة فأذن له..
ولقد ظل وھو في احتدام معارضته أمينا Ϳ ورسوله، حافظا في اعماق روحه النصيحة التي وجھھا
اليه الرسول عليه الصلاة والسلام ألا يحمل السيف.. لكأن الرسول رأى الغيب كله.. غيب أبي ذر
ومستقبله، فأھدى اليه ھذه النصيحة الغالية.
ومن ثم لم يكن أبو ذر ليخفي انزعاجه حين يرى بعض المولعين بايقاد الفتنة يتخذون من دعوته سببا
لاشباع ولعھم وكيدھم.
جاءه يوما وھو في ّ الربدة وفد من الكوفة يسألونه أن يرفع راية الثورة ضد الخليفة، فزجرھم بكلمات
حاسمة:
” والله لو أن عثمان صلبني على أطول خشبة، أ جبل، لسمعت، وأطعت، وصبرت واحتسبت، ورأيت ذلك
خيرا لي”..
” ولوسيّرني ما بين الأفق الى الأفق، لسمعت وأطعت، وصبرت واحتسبت، ورأيت ذلك خيرا لي..
” ولو ّ ردني الى منزلي، لسمعت وأطعت، وصبرت واحتسبت، ورأيت ذلك خيرا لي..”
ذلك رجل لا يريد غرضا من أغراض الدنيا، ومن ثم أفاء الله عليه نور البصيرة.. ومن ثم مرة أخرى
أدرك ما تنطوي عليه الفتنة المسلحة من وبال وخطر فتحاشاھا.. كما أدرك ما ينطوي عليه الصمت من
وبال وخطر، فتحاشاه أيضا، ورفع صوته لا سيفه بكلمة الحق ولھجة الصدق، لا أطماع تغريه.. ولا
عواقب تثنيه.!.
لقد ّ تفرغ أبو ذر للمعارضة الأمينة وتبتّل.

وسيقضي عمره كله ّ يحدق في أخطاء الحكم وأخطاء المال، فالحكم والمال يملكان من الاغراء والفتنة
ما يخافه أبو ذر على اخوانه الذين حملوا راية الاسلام مع رسولھم صلى الله عليه وسلم، والذين يجب أن
يظلوا لھا حاملين.
والحكم والمال أيضا، ھما عصب الحياة للأمة والجماعات، فاذا اعتورھما الضلال تعرضت مصاير الناس
للخطر الأكيد.
ولقد كان أبو ذر يتمنى لأصحاب الرسول ألا يلي أحد منھم امارة أو يجمع ثروة، وأن يظلوا كما كانوا
ّ رواد للھدى، وعبّادا Ϳ..
وقد كان يعرف ضراوة الدنيا وضراوة المال، وكان يدرك أن أبا بكر وعمر لن يتكررا.. ولطالما سمع
النبي صلى الله عليه وسلم يحذر أصحابه من اغراء الامارة ويقول عنھا:
..” انھا أمانة، وانھا يوم القيامة خزي وندامة.. الا من أخذھا بحقھا، ّ وأدى الذي عليه فيھا…”
ولقد بلغ الأمر بأبي ذر لى تجنّب اخوانه ان لم يكن مقاطعتھم،لأنھم ولوا الامارات، وصار لھم بطبيعة
الحال ثراء وفرة..
لقيه أبو موسى الأشعري يوما، فلم يكد يراه حتى فتح له ذراعيه وھو يصيح من الفرح بلقائه”: مرحبا
أبا ذر.. مرحبا بأخي.”
ولكن أبا ذر دفعه عنه وھو يقول:
” لست بأخيك، انما كنت أخاك قبل أن تكون واليا وأميرا!..”
كذلك لقيه أبو ھريرة يوما واحتضنه ّ مرحبا، ولكن أبا ذر ّ نحاه عنه بيده وقال له:
)اليك عني.. ألست الذي وليت الامارة، فتطاولت في البنيان، واتخذت لك ماشية وزرعا..(؟؟
ومضى أبو ھريرة يدافع عن نفسه ويبرئھا من تلك الشائعات..
وقد يبدو أبو ذر مبالغا في موقفه من الجكم والثروة..
ولكن لأبي ذر منطقه الذي يشكله صدقه مع نفسه، ومع ايمانه، فأبو ذر يقف بأحلامه وأعماله.. بسلوكه
ورؤاه، عند المستوى الذي خلفه لھم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه.. أبو بكر وعمر..
واذا كان البعض يرى في ذلك المستوى مثالية لا يدرك شأوھا، فان ابا ذر يراھا قدوة ترسم طريق
الحياة والعمل، ولا سيما لأولئك الرجال الذين عاصروا الرسول عليه السلام، وصلوا وراءه، وجاھدوا
معه، وبايعوه على السمع والطاعة.
كما أنه يدرك بوعيه المضيء، ما للحكم وما للثروة من أثر حاسم في مصاير الناس، ومن ثم فان أي خلل
يصيب أمانة الحكم، أو عدالة الثروة، يشكل خطرا يجب دحضه ومعارضته.
**
ولقد عاش أبو ذر ما استطاع حاملا لواء القدوة العظمى للرسول عليه السلام وصاحبيه، أمينا عليھا،
حارسا لھا.. وكان أستاذ في فن التفوق على مغريات الامارة والثروة،…
عرضت عليه الامارة بالعراق فقال:

” لا والله.. لن تميلوا ّ علي بدنياكم أبدا..”
ورآه صاحبه يوما يلبس جلبابا قديما فسأله:
أليس لك ثوب غير ھذا..؟! لقد رأيت معك منذ أيام ثوبين جديدين..؟
فأجابه أبو ذر: ” يا بن أخي.. لقد أعطيتھما من ھو أحوج اليھما مني..”
قال له: والله انك لمحتاج اليھما!!
فأجاب أب ذر: “اللھم غفر.. انك لمعظّم للدنيا، ألست ترى ّ علي ھذه البردة..؟؟ ولي أخرى لصلاة
الجمعة، ولي عنزة أحلبھا، وأتان أركبھا، فأي نعمة أفضل ما نحن فيه..”؟؟
**
وجلس يوما ّ يحدث ويقول:
]أوصاني خليلي بسبع..
أمرني بحب المساكين والدنو منھم..
وأمرني أن أنظر الى من ھو دوني، ولاأنظر الى من ھو فوقي..
وأمرني ألا أسأل أحد شيئا..
وأمرني أن أصل الرحم..
وأمرني أن أقول الحق وان كان ّ مرا..
وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم..
وأمرني أن أكثر من: لا حول ولا قوة الا با.[
ولقد عاش ھذه الوصية، وصاغ حياته وفقھا، حتى صار “ضميرا” بين قومه وأمته..
ويقول الامام علي رضي الله عنه:
“لم يبق اليوم أحد لا يبالي في الله لومة لائم غير أبي ذر!!..”
عاش يناھض استغلال الحكم، واحتكار الثروة..
عاش يدحض الخطأ، ويبني الصواب..
عاش متبتلا لمسؤولية النصح والتحذير..
يمنعونه من الفتوى، فيزداد صوته بھا ارتفاعا، ويقول لمانعيه:
” والذي نفسي بيده، لو وضعتم السيف فوق عنقي، ثم ظننت أني منفذ كلمة سمعتھا من رسول الله صلى
الله عليه وسلم قبل أن تحتزوا لأنفذتھا!!..”
ويا ليت المسلمين استمعوا يومئذ لقوله ونصحه..
اذن لما ماتت في مھدھا تلك الفتن التي تفقم فيما بعد أمرھا واستفحل خطرھا، ّ وعرضت تادواة والمجتمع
والاسلام لأخطار، ما كان أقساھا من أخطار.
والآن يعالج أبو ذر سكرات الموت في الربذة.. المكان الذي اختار الاقامة فيه اثر خلافه مع عثمان رضي
الله عنه، فتعالوا بنا اليه نؤد للراحل العظيم تحية الوداع، ونبصر في حياته الباھرة مشھد الختام.

ان ھذه السيدة السمراء الضامرة، الجالسة الى جواره تبكي، ھي زوجته..
وانه ليسألھا: فيم البكاء والموت حق..؟
فتجيبه بأنھا تبكي: ” لأنك تموت، وليس عندي ثوب يسعك كفنا!!..”
..” لا تبكي، فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وأنا عنده في نفر من أصحابه يقول:
ّ ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض، تشھده عصابة من المؤمنين..
وكل من كان معي في ذلك المجلس مات في جماعة وقرية، ولم يبق منھم غيري .. وھأنذا بالفلاة أموت،
فراقبي الطريق،، فستطلع علينا عصابة من المؤمنين، فاني والله ما كذبت ولا كذبت.”
وفاضت روحه الى الله..
ولقد صدق..
فھذه القافلة التي تغذ السير في الصحراء، تؤلف جماعة من المؤمنين، وعلى رأسھم عبدالله بن مسعود
صاحب رسول الله.
وان ابن مسعود ليبصر المشھد قبل أن يبلغه.. مشھد جسد ممتد يبدو كأنه جثمان ميّت، والى جواره
سيدة وغلام يبكيان..
ويلوي زمام دابته والركب معه صوب المشھد، ولا يكاد يلقي نظرة على الجثمان، حتى تقع عيناه على
وجه صاحبه وأخيه في الله والاسلام أبي ذر.
وتفيض عيناه بالدمع، ويقف على جثمانه الطاھر يقول:” صدق رسول الله.. نمشي وحدك، وتموت
وحدك، وتبعث وحدك!.”
ويجلس ابن مسعود رضي الله عنه لصحبه تفسير تلك العبارة التي نعاه بھا”: تمشي وحدك.. وتموت
حدك.. وتبعث وحدك…”
**
كان ذلك في غزوة تبوك.. سنة تسع من الھجرة، وقد أمر الرسول عليه السلام بالتھيؤ لملاقاة الروم،
الذين شرعوا يكيدون للاسلام ويأتمرون به.
وكانت الأيام التي دعى فيھا الناس للجھاد أيام عسر وقيظ..
وكانت الشقة بعيدة.. والعدو مخيفا..
ولقد تقاعس عن الخروج نفر من المسلمين، تعللوا بشتى المعاذير..
وخرج الرسول وصحبه.. وكلما أمعنوا في السير ازدادوا جھدا ومشقة، فجعل الرجل يتخلف، ويقولون يا
رسول اللھتخلف فلان، فيقول:
” دعوه.
فان يك فيه خير فسيلحقه الله بكم..
وان يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه!!..”
وتلفت القوم ذات مرة، فلم يجدوا أبا ذر.. وقالوا للرسول عليه الصلاة والسلام:
لقد تخلف أبو ذر، وأبطأ به بعيره..
وأعاد الرسول مقالته الأولى..
كان بعير أبي ذر قد ضعف تحت وطأة الجوع والظمأ والحر وتعثرت من الاعياء خطاه..

وحاول أبو ذر أن يدفعه للسير الحثيث بكل حيلة وجھد، ولكن الاعياء كان يلقي ثقله على البعير..
ورأى أبو ذر أنه بھذا سيتخلف عن المسلمين وينقطع دونھم الأثر، فنزل من فوق ظھر البعير، وأخذ
متاعه وحمله على ظھره ومضى ماشيا على قدميه، مھرولا، وسط صحراء ملتھبة، كما يدرك رسوله
عليه السلام وصحبه..
وفي الغداة، وقد وضع المسلمون رحالھم ليستريحوا، بصر أحدھم فرأى سحابة من النقع والغبار تخفي
وراءھا شبح رجل يغذ السير..
وقال الذي رأى: يا رسول الله، ھذا رجل يمشي على الطريق وحده..
وقال الرسول عليه الصلاة والسلام:
(كن أبا ذر..)
وعادوا لما كانوا فيه من حديث، ريثما يقطع القادم المسافة التي تفصله عنھم، وعندھا يعرفون من ھو..
وأخذ المسافر الجليل يقترب منھم رويدا.. يقتلع خطاه من الرمل المتلظي اقتلاعا، وحمله فوق ظھره
بتؤدة.. ولكنه مغتبط فرحان لأنه أردك القافلة المباركة، ولم يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
واخوانه المجاھدين..
وحين بلغ أول القافلة، صاح صائھحم: يار سول الله: انه والله أبا ذر..
وسار أبو ذر صوب الرسول.
ولم يكد صلى الله عليه وسلم يراه حتى تألقت على وجھه ابتسامة حانية واسية، وقال:
]يرحم الله أبا ذر..
يمشي وحده..
ويموت وحده..
ويبعث وحده.[..
وبعد مضي عشرين عاما على ھذا اليوم أو تزيد، مات أبو ذر وحيدا، في فلاة الربذة.. بعد أن سار
حياته كلھا وحيدا على طريق لم يتألق فوقه سواه.. ولقد بعث في التاريخ وحيدا في عظمة زھده، وبطولة
صموده..
ولسوف يبعث عند الله وحيدا كذلك؛ لأن زحام فضائله المتعددة، لن يترك بجانبه مكانا لأحد سواه!!

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.