رجال حول الرسول صلى الله عليه وسلم:عبدالله بن مسعود أول صادح بالقرآن

2019-05-20T12:13:48+01:00
2019-05-20T12:13:57+01:00
الإفتتاحية
عبدالصمد تاغي20 مايو 2019آخر تحديث : منذ 4 أشهر
رجال حول الرسول صلى الله عليه وسلم:عبدالله بن مسعود أول صادح بالقرآن
رابط مختصر

عبدالله بن مسعود
أول صادح بالقرآن


قبل أن يدخا رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم، كان عبدالله بن مسعود قد آمن به، وأبح سادس
ستة أسلموا واتبعوا الرسول، عليه وعليھم الصلاة والسلام..
ھو اذن من الأوائل المبكرين..
ولقد تحدث عن أول لقائه برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
” كنت غلاما يافعا، أرعى غنما لعقبة بن أبي معيط فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، وأبوبكر فقالا: يا
غلام،ھل عندك من لبن تسقينا..؟؟
فقلت: اني مؤتمن، ولست ساقيكما..
فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ھل عندك من شاة حائل، لم ينز عليھا الفحل..؟
قلت: نعم..
فأتيتھما بھا، فاعتلفھا النبي ومسح الضرع.. ثم اتاه أبو بكر بصخرة متقعرة، فاحتلب فيھا، فشرب أبو
بكر ثم شربت..ثم قال للضرع: اقلص، فقلص..
فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم بعد لك، فقلت: علمني من ھذا القول.
فقال: انك غلام معلم…”
**
لقد انبھر عبدالله بن مسعود حين رأى عبدالله الصالح ورسوله الأمين يدعو ربه، ويمسح ضرعا لا عھد
له باللبن بعد، فھذا ھو يعطي من خير الله ورزقه لبنا خالصا سائغا للشاربين!!..
وما كان يدري يومھا، أنه انما يشاھد أھون المعجزات وأقلھا شأنا، وأنه عما قريب سيشھد من ھذا
الرسول الكريم معجزات تھز الدنيا، وتلمؤھا ھدى ونور..
بل ما كان يدري يومھا، أنه وھو ذلك الغلام الفقير الضعيف الأجير الذي يرعى غنم عقبة بن معيط،
سيكون احدى ھذه المعجزات يوم يخلق الاسلام منه منه مؤمنا بايمانه كبرياء قريش، ويقھر جبروت
ساداتھا..

فيذھب وھو الذي لم يكن يجرؤ أن يمر بمجلس فيه أحد أشراف مكة الا مطرق الرأس حثيث الخطى..
نقول: يذھب بعد اسلامه الى مجمع الأشراف عند الكعبة، وكل سادات قريش وزعمائھا ھنالك جالسون
فيقف على رؤوسھم. ويرفع صوته الحلو المثير بقرآن الله:
(بسم الله الرحمن الرحيم، الرحمن، علّم القرآن، خلق الانسان، علّمه البيان، الشمس والقمر بحسبان، والنجم والشجر يسجدان.)
ثم يواصل قراءته. وزعماء قريش مشدوھون، لا يصدقون أعينھم التي ترى.. ولا آذانھم التي تسمع..
ولا يتصورون أن ھذا الذي يتحدى بأسھم.. وكبريائھم..انما ھو أجير واحد منھم، وراعي غنم لشريف
من شرفائھم.. عبدالله بن مسعود الفقير المغمور!!..
ولندع شاھد عيان يصف لنا ذلك المشھد المثير..
انه الزبير رضي الله عنه يقول:
” كان أول من جھر بالقرآن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، عبدالله بن مسعود رضي الله عنه،
اذ اجتمع يوما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا:
والله ما سمعت قريش مثل ھذا القرآن يجھر لھا به قط، فمن رجل يسمعھموه..؟؟
فقال عبدالله بن مسعود:أنا..
قالوا: ان نخشاھم عليك، انما نريد رجلا له عشيرته يمنعونه من القوم ان أرادوه..
قال: دعوني، فان الله سيمنعني..
فغدا ابن مسعود حتى اتى المقام في الضحى، وقريش في أنديتھا، فقام عند المقام ثم قرأ: بسم الله
الرحمن الرحيم _رافعا صوته_ الرحمن.. علم القرآن، ثم استقبلھم يقرؤھا..
فتأملوه قائلين: ما يقول ابن ام عبد..؟؟ انه ليتلو بعض ما جاء به محمد..
فقاموا اليه وجعلوا يضربون وجھه، وھو ماض في قراءته حتى بلغ منھا ما شا الله أن يبلغ..
ثم عاد الى أصحابه مصابا في وجھه وجسده، فقالوا له:
ھذا الذي خشينا عليك..
فقال: ما كان أعداء الله أھون ّ علي منھم الآن، ولئن شئتم لأغادينّھم بمثلھا غدا..
قالوا: حسبك، فقد أسمعتھم ما يكرھون!!..”
أجل ما كان ابن مسعود يوم بھره الضرع الحافل باللبن فجأة وقبل أوانه.. ما كان يومھا يعلم أنه ھو
ونظراؤه من الفقراء والبسطاء، سيكونون احدى معجزات الرسول الكبرى يوم يحملون راية الله،
ويقھرون بھا نور الشمس وضوء النھار..!!
ما كان يعلم أن ذلك اليوم قريب..
ولكن سرعان ما جاء اليوم ودقت الساعة، وصار الغلام الأجير الفقير الضائع معجزة من المعجزات!!..
**
لم تكن العين لتقع عليه في زحام الحياة..
بل ولا بعيدا عن الزحام!!..
فلا مكان له بين الذين أوتوا بسطة من المال، ولا بين الذين أوتوا بسطة في الجسم، ولا بين الذين أوتوا
حظا من الجاه..
فھو من المال معدم.. وھو في الجسم ناحل، ضامر.. وھو في الجاه مغمور..
ولكن الاسلام يمنحه مكان الفقر نصيبا رابيا وحظوظا وافية من خزائن كسرى وكنوز قيصر.!.
ويمنحه مكان ضمور جسمه وضعف بنيانه ارادة تقھر الجبارين، وتسھم في تغيير مصير التاريخ!..
ويمنحه مكان انزوائه وضياعه، خلودا، وعلما وشرفا تجعله في الصدارة بين أعلام التاريخ..!!
ولقد صدقت فيه نبوءة الرسول عليه الصلاة والسلام يوم قال له: ” انك غلام معلّم” فقد علمه ربه، حتى
صار فقيه الأمة، وعميد حفظة القرآن جميعا.
يقول على نفسه:
” أخذت من فم رسول الله صلى الله عليه زسلم سبعين سورة، لا ينازعني فيھا أحد..”
ولكأنما أراد الله مثوبته حين خاطر بحياته في سبيل ان يجھر بالقرآن ويذيعه في كل مكان بمكة أثناء
سنوات الاضطھاد والعذاب فأعطاه سبحانه موھبة الأداء الرائع في تلاوته، والفھم السديد في ادراك
معانيه..
ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي أصحابه أن يقتدوا بابن مسعود فيقول:
” ّ تمسكوا بعھد ابن أم عبد.”
ويوصيھم بأن يحاكوا قراءته،ويتعلموا منه كيف يتلو القرآن.
يقول عليه السلام:
” من أحب أن يسمع القرآن ّ عصا كما أنزل فليسمعه من ابن أم عبد..”
” من أحب أن يقرأ القرآن غصا كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد!!..”
ولطالما كان يطيب لرسول الله عليه السلام أن يستمع للقرآن من فم ابن مسعود..
دعاه يوما الرسول، وقال له:
” اقرأ ّ علي يا عبد الله..”
قال عبد الله:
” أقرأ عليك، وعليك أنزل يا رسول الله”؟!
فقال له الرسول:
“اني أحب أن أسمعه من غيري..”
فأخذ ابن مسعود يقرأ من سورة النساء حتى وصل الى قوله تعالى:
(فكيف اذا جئنا من كل أمة بشھيد وجئنا بك على ھؤلاء شھيدا..
يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو ّ تسوى بھم الأرض..
ولا يكتمون الله حديثا..)
فغلب البكاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفاضت عيناه بالدموع، وأشار بيده الى ابن مسعود:
أن” حسبك.. حسبك يا ابن مسعود..”
وتحدث ھو بنعمة الله فقال:
” والله ما نزل من القرآن شيء الا وأنا أعلم في أي شيء نزل، وما أحد أعلم بكتاب الله مني، ولو أعلم
أحدا تمتطى اليه الابل أعلم مني بكتاب الله لأتيته وما أنا بخيركم!!”
ولقد شھد له بھذا السبق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال عنه أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه:
” لقد ملئ فقھا..”
وقال أبو موسى الأشعري:
” لا تسألونا عن شيء ما دام ھذا الحبر فيكم”
ولم يكن سبقه في القرآن والفقه موضع الثناء فحسب.. بل كان كذلك أيضا سبقه في الورع والتقى.
يقول عنه حذيفة:
” ما رأيت أحدا أشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم في ھديه، ودلّه، وسمته من ابن مسعود…
ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن ابن ام عبد لأقربھم الى الله زلفى!!..”
واجتمع نفر من الصحابة يوما عند علي ابن أبي طالب ّ كرم الله وجھه فقالوا له:
“يا أمير المؤمنين، ما رأينا رجلا كان أحسن خلقا ولا أرفق تعليما، ولا أحسن مجالسة، ولا أشد ورعا
من عبدالله بن مسعود..
قال علي:
نشدتكم الله، أھو صدق من قلوبكم..؟؟
قالوا:
نعم..
قال:
اللھم اني أشھدك.. اللھم اني أقول مثل ما قالواو أو أفضل..
لقد قرأ القرآن ّ فأحل حلاله، ّ وحرم حرامه..فقيه في الدين، عالم بالسنة!..”
وكان أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام يتحدثون عن عبدالله بن مسعود فيقولون:
” ان كان ليؤذن له اذا حججنا، ويشھد اذا غبنا..”
وھم يريدون بھذا، أن عبد الله رضي الله عنه كان يظفر من الرسول صلى الله عليه وسلم بفرص لم يظفر
بھا سواه، فيدخل عليه بيته أكثر مما يدخل غيرھو ويجالسه أكثر مما يجالس سواه. وكان دون غيره من
ّ الصحب موضع ّ سره ونجواه، حتى كان يلقب بـ صاحب السواد أي صاحب السر..
يقول أبو موسى الشعري رضي الله عنه:
“لقد رأيت النبي عليه الصلاة والسلام، وما أرى الا ابن مسعود من أھله..”
ذلك أن النبيب صلى الله عليه وسلم كان يحبّه حبا عظيما، وكان يحب فيه ورعه وفطنته، وعظمة نفسه..
حتى قال الرسول صلى الله عليه وسلم فيه:
” لو كنت ّ مؤمرا أحدا دون شورى المسلمين، ّ لأمرت ابن أم عبد..”
وقد ّ مرت بنا من قبل، وصية االرسول لأصحابه:
” تمسكوا بعھد ابن أم عبد…”
وھذا الحب، وھذه الثقة أھلاه لأن يكون شديد لبقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعطي ما لم
يعط أحد غيره حين قال له الرسول عليه الصلاة والسلام”: اذنك ّ علي أن ترفع الحجاب..”
فكان ھذا ايذانا بحقه في أن يطرق باب الرسول عليه أفضل السلام في أي وقت يشاء من ليل أو نھار…
وھكذا قال عنه أصحابه:
” كان يؤذن له اذا حججنا، ويشھد اذا غبنا..”
ولقد كان ابن مسعود أھلا لھذه المزيّة.. فعلى الرغم من أن الخلطة الدانية على ھذا النحو، من شأنھا
أن ترفع الكلفة، فان ابن مسعود لم يزدد بھا الا خشوعا، واجلالا، وأدبا..
ولعل خير ما ّ يصور ھذا الخلق عنده، مظھره حين كان ّ يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد
وفاته…
فعلى الرغم من ندرة تحدثه عن الرسول عليه السلام، نجده اذا ّ حرك شفتيه ليقول: سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يحدث ويقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث ويقول… تأخذه
ّ الرعدة الشديدة ويبدو عليه الاضطراب والقلق، خشية أن ينسى فيضع حرفا مكان حرف!!..
ولنستمع لاخوانه يصفون ھذه الظاھرة..
يقول عمرو بن ميمون:
” اختلفت الى عبدالله بن مسعود سنة، ما سمعه يتحدث فيھا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الا أنه
ّ حدث ذات يوم بحديث فجرى على لسانه: قال رسول الله، فعلاه الكرب حتى رأيت العرق ّ يتحدر عن
جبھته، ثم قال مستدركا قريبا من ھذا قال الرسول!!..”
ويقول علقمة بن قيس:
” كان عبدالله بن مسعود يقوم عشيّة كل خميس متحدثا، فما سمعته في عشية منھا يقول: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم غير مرة واحدة.. فنظرت اليه وھو معتمد على عصا، فاذا عصاه ترتجف،
وتتزعزع!!..”
ويحدثنا مسروق عن عبدالله:
” ّ حدث ابن مسعود يوما حديثا فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ثم أرعد وأرعدت ثيابه..
ثم قال:أو نحو ذا.. أو شبه ذا!!..”
الى ھذا المدى العظيم بلغ اجلاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبلغ توقيره اياه، وھذه أمارة فطنته
قبل أن تكون امارة تقاه!!..
فالرجل الذي عاصره رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثرمن غيره، كان ادراكه لجلال ھذا الرسول
العظيم ادراكا سديدا.. ومن ّ ثم كان أدبه مع الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته، ومع ذكراه في
مماته، أدبا فريدا!!..
**
لم يكن يفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، ولا في حضر.. ولقد شھد المشاھد كلھا
جميعھا.. وكان له يوم بدر شأن مذكور مع أب جھل الذي حصدته سيوف المسلمين في ذلك اليوم
الجليل.. وعرف خلفاء الرسول وأصحابه له قدره.. فولاه أمير المؤمنين عمر على بيت المال في الكوفة.
وقال لأھلھا حين أرسله اليھم:
” اني والله الذي لا اله الا ھو، قد آثرتكم به على نفسي، فخذوا منه وتعلموا.”
ولقد أحبه أھل الكوفة حبا جما لم يظفر بمثله أحد قبله، ولا أحد مثله..
واجماع أھل الكوفة على حب انسان، أمر يشبه المعجزات..
ذلك أنھم أھل ّ تمرد ثورة، لا يصبرون على طعام واحد!!.. ولا يطيقون الھدوء والسلام..
ولقد بلغ من حبھم اياه أن أطاحوا به حين أراد الخليفةعثمان رضي الله عنه عزله عن الكوفة وقالوا
له”: أقم معنا ولا تخرج، ونحن نمنعك أن يصل اليك شيء تكرھه منه..”
ولكن ابن مسعود أجابھم بكلمات ّ تصور عظمة نفسه وتقاه، اذ قال لھم:
” ان له ّ علي الطاعة، وانھا ستكون أمور وفتن، ولا أحب أن يكون أول من يفتح أبوابھا!!..”
ان ھذا الموقف الجليل الورع يصلنا بموقف ابن مسعود من الخلبيفةعثمان.. فلقد حدث بينھما حوار
وخلاف تفاقما حتى حجب عن عبدالله راتبه ومعاشه من بيت الامل،، ومع ذلك لم يقل في عثمان رضي
الله عنه كلمة سوء واحدة..
بل وقف موقف المدافع والمحذر حين رأى ّ التذمر في عھد عثمان ّ يتحول الى ثورة..
وحين ترامى الى مسمعه محاولات اغتيال عثمان، قال كلمته المأثورة:
” لئن قتلوه، لا يستخلفون بعده مثله.”
ويقولبعض أصحاب ابن مسعود:
” ما سمعت ابن مسعود يقول في عثمان سبّة قط..”
**
ولقد آتاه الله الحكمة مثلما أعطاه التقوى.
وكان يملك القدرة على رؤية الأعماق، والتعبير عنھا في أناقة وسداد..
لنستمع له مثلا وھو يلخصحياة عمر العظيمة في تركيزباھر فيقول:
” كان اسلامه فتحا.. وكانت ھجرته نصرا.. وكانت امارته رحمة.”..
ويتحدث عما نسميه اليوم نسبية الزمان فيقول:
” ان ربكم ليس عنده ليل ولا نھار.. نور السموات والأرض من نور وجھه!!..”
ويتحدث عن العمل وأھميته في رفع المستوى الأدبي لصاحبه، فيقول”: اني لأمقت الرجل، اذ أراه
فارغا.. ليس في شيء من عمل الدنيا، ولا عمل الآخرة..”
ومن كلماته الجامعة:
” خير الغنى غنى النفس ، وخير الزاد التقوى، وشر العمى عمى القلب، وأعظم الخطايا الكذب، ّ وشر
المكاسب الربا، ّ وشر المأكل مال اليتيم، ومن يعف الله عنه، ومن يغفر الله له..”
**
ھذا ھو عبدالله بن مسعود صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وھذه ومضة من حياة عظيمة مستبسلة، عاشھا صاحبھا في سبيل الله، ورسوله ودينه..
ھذا ھو الرجل الذي كان جسمه في حجم العصفور!!..
نحيف، قصير، يكاد الجالس يوازيه طولا وھو قائم..
له ساقان ناحلتان دقيقتان.. صعد بھما يوما أعلى شجرة يجتني منھا أراكا لرسول اله صلى الله عليه
وسلم.. فرأى أصحاب النبي دقتھما فضحكوا، فقال عليه الصلاة والسلام:
” تضحكون من ْ ساقي ابن مسعود، لھما أثقل في الميزان عند الله من جبل أحد!!..”
أجل ھذا ھو الفقير الأجير، الناحل الوھنان.. الذي جعل منه ايمانه ويقينه اماما من أئمة الخير والھدى
والنور..
ولقد حظي من توفيق الله ومن نعمته ما جعله أحد العشرة الأوائل بين أصحاب الرسول صلى الله عليه
وسلم.. أولئك الذين بشروا وھم على ظھر الأرض برضوان الله وجنّته..
وخاض المعارك الظافرة مع الرسول عليه الصلاة والسلام، مع خلفائه من بعده..
وشھد أعظم امبراطوريتين في عالمه وعصره تفتحان أبوابھما طائعة خاشعة لرايات الاسلام ومشيئته..
ورأى المناصب تبحث عن شاغليھا من المسلمين، والأموال الوفيرة تتدحرج بين أيديھم، فما شغله من
ذلك شيء عن العھد الذي عاھد الله عليه ورسوله.. ولا صرفه صارف عن اخباته وتواضعه ومنھج
حياته..
ولم تكن له من ّ أماني الحياة سوى أمنية واحدة كان يأخذه الحنين اليھا فيرددھا، ويتغنى بھا، ويتمنى
لو أنه أدركھا..
ولنصغع اليه يحدثنا بكلماته عنھا:
” قمت من جوف الليل وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك.. فرأيت شعلة من نار في
ناحية العسكر فأتبعتھا أنظر اليھا، فاذا رسول الله، وأبوبكر وعمر، واذا عبدالله ذو البجادين المزني قد
مات واذا ھم قد حفروا له، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرته، وأبو بكر وعمر يدليانه اليه،
والرسول يقول: ادنيا ّ الي أخاكما.. فدلياه اليه، فلما ھيأه للحده قال: اللھم اني أمسيت عنه راضيا فارض
عنه.. فيا ليتني كنت صاحب ھذه الحفرة!!..”
**
تلك أمنيته الوحيد التي كان يرجوھا في دنياه.
وھي لا تمت بسبب الى ما يتھافت الناس عليه من مجد وثراء، ومنصب وجاه..
ذلك أنھا أمنية رجل كبير القلب، عظيم النفس، وثيق اليقين.. رجل ھداه الله، وربّاه الرسول، وقاده
القرآن!!.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.