رجال حول الرسول صلى الله عليه وسلم:حمزة بن عبد المطلب أسد الله وسيّد الشھداء

2019-05-18T11:58:43+01:00
2019-05-19T15:52:32+01:00
الإفتتاحية
عبدالصمد تاغي18 مايو 2019آخر تحديث : منذ 4 أشهر
رجال حول الرسول صلى الله عليه وسلم:حمزة بن عبد المطلب أسد الله وسيّد الشھداء
رابط مختصر

حمزة بن عبد المطلب
أسد الله وسيّد الشھداء


كانت مكة تغطّ في نومھا، بعد يوم مليء بالسعي، ّ وبالكد، وبالعبادة وباللھو..
والقرشيون يتقلبون في مضاجعھم ھاجعين.. غير واحد ھناك يتجافى عن المضجع جنباه، يأوي الى
فراشه مبركا، ويستريح ساعات قليلة، ثم ينھض في شوق عظيم، لأنه مع الله على موعد، فيعمد الى
مصلاه في حجرته، ويظل يناجي ربه ويدعوه.. وكلما استيقظت زوجته على أزير صدره الضارع
وابتھالاته ّ الحارو الملحة، وأخذتھا الشفقة عليه، ودعته أن يرفق بنفسه ويأخذ حظه من النوم، يجيبھا
ودموع عينيه تسابق كلماته:
” لقد انقضى عھد النوم يا خديجة!!..”
لم يكن أمره قد ّ أرق قريش بعد، وان كان قد بدأ يشغلا انتباھھا، فلقد كان حديث عھد بدعوته، وكان يقول
كلمته سرا وھمسا.
كان الذين آمنوا به يومئذ قليلين جدا..
وكان ھناك من غير المؤمنين به من يحمل له كل الحب والاجلال، ويطوي جوانحه على شوق عظيم الى
الايمان به والسير في قافلته المباركة، لا يمنعه سوى مواضعات العرف والبيئة، وضغوط التقاليد
والوراثة، والتردد بين نداء الغروب، ونداء الشروق.

من ھؤلاء كان حمزة بن عبد المطلب.. عم النبي صلى الله عليه وسلم وأخوه من الرضاعة.
**
كان حمزة يعرف عظمة ابن أخيه وكماله.. وكان على بيّنة من حقيقة أمره، وجوھر خصاله..
فھو لا يعرف معرفة العم بابن أخيه فحسب، بل معرفة الأخ بالأخ، والصديق بالصديق.. ذلك أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم وحمزة من جيل واحد، وسن متقاربة. نشأ معا وتآخيا معا، وسارا معا على
الدرب من أوله خطوة خطوة..
ولئن كان شباب كل منھما قد مضى في طريق، فأخذ حمزة يزاحم أنداده في نيل طيبات الحياة، وافساح
مكان لنفسه بين زعماء مكة وسادات قريش.. في حين عكف محمد على اضواء روحه التي انطلقت تنير
له الطريق الى الله وعلى حديث قلبه الذي نأى به من ضوضاء الحياة الى التأمل العميق، والى التھيؤ
لمصافحة الحق وتلقيه..
نقول لئن كان شباب كل منھما قد اتخذ وجھة مغايرة، فان حمزة لم تغب عن وعيه لحظة من نھار فضائل
تربه وابن أخيه.. تلك الفضائل والمكارم التي كانت ّ تحل لصاحبھا مكانا عليّا في أفئدة الناس كافة، وترسم
صورة واضحة لمستقبله العظيم.
في صبيحة ذلك اليوم، خرج حمزة كعادته.
وعند الكعبة وجد نفرا من أشراف قريش وساداتھا فجلس معھم، يستمع لما يقولون..
وكانوا يتحدثون عن محمد..
ولأول ّ مرة رآھم حمزة يستحوذ عليھم القلق من دعوة ابن أخيه.. وتظھر في أحاديثھم عنه نبرة الحقد،
والغيظ والمرارة.
لقد كانوا من قبل لا يبالون، أو ھم يتظاھرون بعدم الاكتراث واللامبالاة.
أما اليوم، فوجوھھم تموج موجا بالقلق، ّ والھم، والرغبة في الافتراس.
وضحك حمزة من أحاديثھم طويلا.. ورماھم بالمبالغة، وسوء التقدير..
وعقب أبو جھل مؤكدا لجلسائه أن حمزة أكثر الانس علما بخطر ما يدعو اليه محمد ولكنه يريد أم
ّ يھون الأمر حتى تنام قريش، ثم تصبح يوما وقد ساء صاحبھا، وظھر أمر ابن أخيه عليھا…
ومضوا في حديثھم يزمجرون، ويتوعدون.. وحمزة يبتسم ّ تارة، ويمتعض أخرى، وحين انفض الجميع
وذھب كل الى سبيله، كان حمزة مثقل الرأس بأفكار جديدة، وخواطر جديدة. راح يستقبل بھا أمر ابن
أخيه، ويناقشه مع نفسه من جديد!!!…
**
ومضت الأيام، ينادي بعضھا بعضا ومع كل يوم تزداد ھمھمة قريش حول دعوة الرسول..
ثم ّ تتحول ھمھمة قريش الى ّ تحرش. وحمزة يرقب الموقف من بعيد..
ان ثبات ابن أخيه ليبھره.. وان تفانيه في سبيل ايمانه ودعوته لھو شيء جديد على قريش كلھا، برغم
ما عرفت من تفان وصمود..!!
ولو استطاع الشك يومئذ أن يخدع أحدا عن نفسه في صدق الرسول وعظمة سجاياه، فما كان ھذا الشك
بقادر على أن يجد الى وعي حمزة منفا أو سبيلا..
فحمزة خير من عرف محمدا، من طفولته الباكرة، الى شباب الطاھر، الى رجولته الأمينة السامقة..
انه يعرفه تماما كما يعرف نغسه، بل أكثر مما يعرف نفسه، ومنذ جاءا الى الحياة معا، وترعرعا معا،
وبلغا ّ أشدھما معا، وحياة محمد كلھا نقية كأشعة الشمس!!.. لا يذكر حمزة شبھة واحدة ّ ألمت بھذه
الحياة، لا يذكر أنه رآه يوما غاضبا، أو قانطا، أو طامعا،أو لاھيا، أو مھزوزا…
وحمزة لم يكن يتمتع بقوة الجسم فحسب، بل وبرجاحة العقل، وقوة اارادة أيضا..
ومن ثم لم يكن من الطبيعي أن يتخلف عن متابھة انسان يعرف فيه كل الصدق وكل الأمانة.. وھكذا طوى
صدره الى حين على أمر ّ سيتكشف في يوم قريب..
**
وجاء اليوم الموعود..
وخرج حمزة من داره،متوشحا قوسه، ّ ميمما وجھه شطر الفلاة ليمارس ھوايته المحببة، ورياضته
الأثيرة، الصيد.. وكان صاحب مھارة فائقة فيه..
وقضى ھناك بعض يومه، ولما عاد من قنصه، ذھب كعادته الى الكعبة ليطوف بھا قبل أن يقفل راجعا الى
داره.
وقريبا من الكعبة، لقته خادم لعبدالله بن جدعان..
ولم تكد تبصره حتى قالت له:
” يا أبا عمارة.. لو رأيت ما اقي ابن أخيك محمد آنفا، من أبي الحكم بن ھشام.. وجده جالسا ھناك ،
فآذاه وسبّه وبلغ منه ما يكره..”
ومضت تشرح له ما صنع أبو جھل برسول الله..
واستمع حمزة جيدا لقولھا، ثم أطرق لحظة، ثم مد يمينه الى قوسه فثبتھا فوق كتفه.. ثم انطلق في خطى
سريعة حازمة صوب الطعبة راجيا أن يلتقي عندھا بأبي جھل.. فان ھو لم يجده ھناك، فسيتابع البحث
عنه في كل مكان حتى يلاقيه..
ولكنه لا يكاد يبلغ الكعبة، حتى يبصر أبا جھل في فنائھا يتوسط نفرا من سادة قريش..
وفي ھدوء رھيب، ّ تقدم حمزة من أبي جھل، ثم ّ استل قوسه وھوى به على رأس أبي جھل ّ فشجه
وأدماه، وقبل أن يفيق الجالسون من الدھشة، صاح حمزة في أبي جھل:
” أتشتم محمدا، وأنا على دينه أقول ما يقول..؟! الا ّ فرد ذلك ّ علي ان استطعت..”
وفي لحظة نسي الجالسون جميعا الاھانة التي نزلت بزعيمھم أبي جھل والدم لذي ينزف من رأسه،
وشغلتھم تلك الكلمة التي حاقت بھم طالصاعقة.. الكلمة التي أعلن بھا حمزة أنه على دين محمد يرى ما
يراه، ويقول ما يقوله..
أحمزة يسلم..؟
ّ أعز فتيان قريش وأقواھم شكيمة..؟؟
انھا ّ الطامة التي لن تملك قريش لھا دفعا.. فاسلام حمزة سيغري كثيرين من الصفوة بالاسلام، وسيجد
محمد حوله من القوة والبأس ما يعزز دعوته ّ ويشد ازره، وتصحو قريش ذات يوم على ھدير المعاول
تحطم أصنامھا وآلھتھا!!..
أجل أسلم حمزة، وأعلن على الملأ الأمر الذي كان يطوي عليه صدره، وترك الجمع الذاھل ّ يجتر خيبة
أمله، وأبا جھل يلعق دماءه النازفة من رأسه المشجوج.. ّ ومد حمزة يمينه ّ مرة أخرى الى قوسه فثبتھا
فوق كتفه، واستقبل الطريق الى داره في خطواته الثابتة، وبأسه الشديد.!.
**
كان حمزة يحمل عقلا نافذا، وضميرا مستقيما..
وحين عاد الى بيته ونضا عنه متاعب يومه. جلس يفكر، ويدير خواطره على ھذا الذي حدث له من
قريب..
كيف أعلن اسلامه ومتى..؟
لقد أعلنه في لحظات الحميّة، والغضب، والانفعال..
لقد ساءه أن يساء الى ابن اخيه، ويظلم دون أن يجد له ناصرا، فيغضب له، وأخذته الحميّة لشرف بني
ھاشم، ّ فشج رأس أبي جھل وصرخ في وجھه باسلامه…
ولكن ھل ھذا ھو الطريق الأمثل لك يغدار الانسان دين آبائه وقومه… دين الدھور والعصور.. ثم يستقبل
دينا جديدا لم يختبر بعد تعاليمه، ولا يعرف عن حقيقته الا قليلا..
صحيح أنه لا يشك لحظة في صدق محمد ونزاھة قصده..
ولكن أيمكن أن يستقبل امرؤ دينا جديدا، بكل ما يفرضه من مسؤوليات وتبعات، في لحظة غضب، مثلما
صنع حمزة الآن..؟؟؟
وشرع ّ يفكر.. وقضى أياما، لا يھدأ له خاطر.. وليالي لا يرقأ له فيھا جفن..
وحين ننشد الحقيقة بواسطة العقل، يفرض الشك نفسه كوسيلة الى المعرفة.
وھكذا، لم يكد حمزة يستعمل في بحث قضية الاسلام، ويوازن بين الدين القديم، والدين الجديد، حتى
ثارت في نفسه شكوك أرجاھا الحنين الفطري الموروث الى دين آبائه.. والتھيّب الفطري الموروث من
كل جيد..
واستيقظت كل ذكرياته عن الكعبة، وآلھاھا وأصنامھا… وعن الأمجاد الدينية التى أفاءتھا ھذه الآلھة
المنحوتة على قريش كلھا، وعلى مكة بأسرھا.
لقد كان يطوي صدره على احترام ھذه الدعوة الجديدة التي يحمل ابن أخيه لواءھا..
ولكن اذا كان مقدورا له أن يكون أح أتباع ھذه الدعوة، المؤمنين بھا، والذائدين عنھا.. فما الوقت
المناسب للدخول في ھذا الدين..؟
لحظة غضب وحميّة..؟ أم أوقات تفكير ورويّة..؟
وھكذا فرضت عليه استقامة ضميره، ونزاھة تفكيره أن يخضع المسألأة كلھا من جديد لتفكر صارم
ودقيق..
وبدأ الانسلاخ من ھذا التاريخ م\كله.. وھذا الدين القديم العريق، ّ ھوة تتعاظم مجتازھا..
وعجب حمزة كيف يتسنى لانسان أن يغادر دين آبائه بھذه السھولة وھذه السرعة.. وندم على ما فعل..
ولكنه واصل رحلة العقل.. ولما رأى أن العقل وحده لا يكفي لجأ الى الغيب بكل اخلاصه وصدقه..
وعند الكعبة، كان يستقبل السماء ضارعا، مبتھلا، مستنجدا بكل ما في الكون من قدرة ونور، كي يھتدي
الى الحق والى الطريق المستقيم..
ولنضع اليه وھو يروي بقية النبأ فيقول:
..” ثم أدركني الندم على فراق دين آبائي وقومي.. وبت من الشك في أمر عظيم، لا أكتحل بنوم..
ثم أتيت الكعبة، ّ وتضرعت تاة الله أن يشرح صدري للحق، ويذھب عني الريب.. فاستجاب الله لي وملأ
قلبي يقينا..
وغدوت الى رسول الله صلى الل عليه وسلم فأخبرته بما كان من أمري، فدع الله أن يثبت قلبي على
دينه.”.
وھكذا أسلم حمزة اسلام اليقيم..
**
أعز الله الاسلام بحمزة..ز ووقف شامخا قويا يذود عن رسول الله، وعن المستضعفين من أصحابه..
ورآه أبو جھل يقف في صفوف المسلمين، فأدرك أنھا الحرب لا محالة، وراح ّ يحرض قريشا على انزال
الأذى بالرسول وصحبه، ومضى يھيء لحرب أھليّة يشفي عن طرقھا مغايظة وأحقاده..
ولم يستطع حمزة أن يمنع كل الأذى ولكن اسلامه مع ذلك كان وقاية ودرعا.. كما كان اغراء ناجحا لكثير
من القبائل التي قادھا اسلام حمزة أولا. ثم اسلام عمر بن الخطاب بعد ذلك الى الاسلام فدخلت فيه
أفواجا!!..
ومنذ أسلم حمزة نذر كل عافيته، وبأسه، وحياته، لله ولدينه حتى خلع النبي عليه ھذا اللقب العظيم:
“أسد الله، وأسد رسوله..”
وأول سرية خرج فيھا المسلمون للقاء عدو، كان أميرھا حمزة..
وأول راية عقدھا رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد من المسلمين كانت لحمزة..
ويوم التقى الجمعان في غزوة بدر، كان أسد الله ورسوله ھناك يصنع الأعاجيب!!..
**
وعادت فلول قريش من بدر الى مكة تتعثر في ھزيمتھا وخيبتھا… ورجع أبو سفيان مخلوع القلب،
مطأطئ ال}اس. وقد خلّف على أرض المعركة جثث سادة قريش، من أمثال أبي جھل.. وعتبة بن ربيعة،
وشيبة بن ربيعة، وأميّة بن خلف. وعقبة بن أبي معيط.. والأسود بن عبدالله المخزومي، والوليد بن
عتبة.. والنفر بن الحارث.. والعاص بن سعيد.. وطعمة ابن ّ عدي.. وعشرات مثلھم من رجال قريش
وصناديدھا.
وما كانت قريش ّ لتتجرع ھذه الھزيمة المنكرة في سلام… فراحت ّ تعد ّ عدتھا وتحشد بأسھا، لتثأر لنفسھا
ولشرفھا ولقتلاھا.. ّ وصممت قريش على الحرب..
**
وجاءت غزوة أحد حيث خرجت قريش على بكرة أبيھا، ومعھا حلفاؤھا من قبائل العرب، وبقيادة أبي
سفيان مرة أخرى.
وكان زعماء قريش يھدفون بمعركتھم الجديدة ھذه الى رجلين اثنين: الرسول صلى اله عليه وسلم،
وحمزة رضي الله عنه وأرضاه..
أجل والذي كان يسمع أحاديثھم ومؤامراتھم قبل الخروج للحرب، يرى كيف كان حمزة بعد الرسول بيت
القصيد وھدف المعركة..
ولقد اختاروا قبل الخروج، الرجل الذي وكلوا اليه أمر حمزة، وھو عبد حبشي، كان ذا مھارة خارقة
في قذف الحربة، جعلوا كل دوره في المعركة أن يتصيّد حمزة ّ ويصوب اليه ضربة قاتلة من رمحه،
وحذروه من أن ينشغل عن ھذه الغاية بشيء آخر، مھما يكن مصير المعركة واتجاه القتال.
ووعدوه بثمن غال وعظيم ھو حريّته.. فقد كان الرجل واسمه وحشي عبدا لجبير بن مطعم.. وكان عم
جبير قد لقي مصرعه يوم بدر فقال له جبير”
” اخرج مع الناس وان أنت قتلت حمزة فأنت عتيق!!..”
ثم أحالوه الى ھند بنت عتبة زوجة أبي سفيان لتزيده تحريضا ودفعا الى الھدف الذي يريدون..
وكانت ھند قد فقدت في معركة بدر أباھا، وعمھا، وأخاھا، وابنھا.. وقيل لھا ان حمزة ھو الذي قتل
بعض ھؤلاء، وأجھز على البعض الآخر..
من أجل ھذا كانت أكثر القرشيين والقرشيّات تحريضا على الخروج للحرب، لا لشيء الا لتظفر برأس
حمزة مھما يكن الثمن الذي تتطلبه المغامرة..!!
ولقد لبثت أياما قبل الخروج للحرب، ولا عمل لھا الا افراغ كل حقدھا في صدر وحشي ورسم الدور الذي
عليه أن يقوم به..
ولقد وعدته ان ھو نجح في قال حمزة بأثمن ما تملك المرأة من متاع وزينة، فلقد أمسكت بأناملھا
الحاقدة قرطھا اللؤلؤي الثمين وقلائدھا الذھبية التي تزدحم حول عنقھا، ثم قالت وعيناھا ّ تحدقان في
وحشي:
” كل ھذا لك، ان قتلت حمزة..”!!
وسال لعاب وحشي، وطارت خواطره ّ تواقة مشتاقة الى المعركة التي سيربح فيھا حريّته، فلا يصير بعد
عبدا أو رقيقا، والتي سيخرج منھا بكل ھذا الحلي الذي يزيّن عنق زعيمة نساء قريش، وزوجة زعيمھا،
وابنة سيّدھا!!..
كانت المؤمرة اذن.. وكانت الحرب كلھا تريد حمزة رضي الله عنه بشكل واضح وحاسم..
**
وجاءت غزوة أحد…
والتقى الجيشان. وتوسط حمزة أرض الموت والقتال، مرتديا لباس الحرب، وعلى صدره ريشة النعام
التي ّ تعود أن يزيّن بھا صدره في القتال..
وراح يصول ويجول، لا يريد رأسا الا قطعه بسيفه، ومضى يضرب في المشركين، وكأن المنايا طوع
أمره، يقف بھا من يشاء فتصيبه في صميمه.!!
وصال المسلمون جميعا حتى قاربوا النصر الحاسم.. وحتى أخذت فلول قريش تنسحب مذعورة ھاربة..
ولولا أن ترك الرماة مكانھم فوق الجبل، ونزلوا الى أرض المعركة ليجمعوا غنائم العدو المھزوم.. لولا
تركھم مكانھم وفتحوا الثغرة الواسعة لفرسان قريش لكانت غزوة أحد مقبرة لقريش كلھا، رجالھا،
ونسائھا بل وخيلھا وابلھا..!!
لقد دھم فرسانھا المسلمين من ورائھم على حين غفلة، واعملوا فيھم سيوفھم الظامئة المجنونة..
وراح المسلمون يجمعون أنفسھم من جديدو ويحملون سلاحھم الذي كان بعضھم قد وضعه حين رأى
جيش محمد ينسحب ويولي الأدبار.. ولكن المفاجأة كانت قاسية عنيفة.
ورأى حمزة ما حدث فضاعف قوته ونشاطه وبلاءه..
وأخذ يضرب عن يمينه وشماله.. وبين يديه ومن خلفه.. ّ ووحشي ھناك يراقبه، ويتحيّن الفرصة الغادرة
ليوجه نحنوه ضربته..
ولندع وحشا يصف لنا المشھد بكلماته:
..] وكنت جلا حبشيا، أقذف بالحربة قذف لحبشة، فقلما أخطئ بھا شيئا.. فلما التقى الانس خرجت أنظر
حمزة ّ وأتبصره حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأورق.. ّ يھد الناس بسيفه ّ ھدا، ما يقف امامه
شيء، فوالله اني لأتھيأ له أريده، وأستتر منه بشجرة لأقتحمه أو ليدنو مني، اذ ّ تقدمني اليه سباع بن
عبد العزى. فلما رآه حمزة صاح به: ّ ھلم ّ الي يا بن مقطّعة البظرو. ثم ضربه ضربة فما أخطأ رأسه..
عندئذ ھززت حربتي حتى اذا رضيت منھا دفعتھا فوقعت في ثنّته حتى خرجت من بين رجليه.. ونھض
نحوي فغلب على امره ثم مات..
وأتيته فأخذت حربتي، ثم رجعت الى المعسكر فقعدت فيه، اذ لم يكن لي فيه حاجة، فقد قتلته لأعتق[..
ولا بأس في أن ندع وحشيا يكمل حديثه:
]فلما قدمت مكة أعتقت، ثم أقمت بھا حتى دخلھا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فھربت الى
الطائف..
فلما خرج وفد الطائف الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلم تعيّت ّ علي المذاھب. وقلت : الحق
بالشام أو اليمن أو سواھا..
فوالله اني لفي ذلك من ھمي اذ قال لي رجل: ويحك!.. ان رسول اله، والله لا يقتل أحد من الناس يدخل
دينه..
فخرجت حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فلم يرني الا قائما أمامه أشھد شھادة
الحق. فلما رآني قال: ّ أوحشي أنت..؟ قلت: نعم يا رسول الله.. قال: ّ فحدثني كيف قتلت حمزة، ّ فحدثته..
فلما فرغت من حديثي قال: ويحك.. غيّب عني وجھك.. فكنت ّ أتنكب طريق رسول الله صلى الله عليه
وسلم حيث كان، لئلا يراني حتى قبضه الله اليه..
فلما خرج المسلمون الى مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة خرجت معھم، وأخذت حربتي التي قتلت بھا
حمزة.. فلما التقى الانس رأيت مسيلمة الكذاب قائما، في يده السيف، فتھيأت له، وھززت حربتي، حتى
اذا رضيته منھا دفعتھا عليه فوقعت فيه..
فان كنت قد قتلت بحربتي ھذه خير الناس وھو حمزة.. فاني لأرجو أن يغفر الله لي اذ قتلت بھا ّ شر الناس
مسيلمة..[
**
ھكذا سقط أسد الله ورسوله، شھيدا مجيدا!!..
وكما كانت حياته ّ مدوية، كانت موتته ّ مدوية كذلك..
فلم يكتف أعداؤه بمقتله.. وكيف يكتفون أو يقتنعون، وھم الذين جنّدوا كل أموال قريش وكل رجالھا في
ھذه المعركة التي لم يريدوا بھا سوى الرسول ّ وعمه حمزة..
لقد أمرت ھند بنت عتبة زوجة أبي سفيان.. أمرت وحشيا أن يأتيھا بكبد حمزة.. واستجاب الحبشي لھذه
الرغبة المسعورة.. وعندما عاد بھا الى ھند كان يناولھا الكبد بيمناه، ويتلقى منھا قرطھا وقلائدھا
بيسراه، مكافأة له على انجاز مھمته..
ومضغت ھند بنت عتبة الذي صرعه المسلمون ببدر، وزوجة أبي سفيان قائد جيوش الشرك
الوثنية،مضغت كبد حمزة، راجية أن تشفي تلك الحماقة حقدھا وغلھا. ولكن الكبد استعصت على أنيابھا،
وأعجزتھا أن تسيغھا، فأخرجتھا من فمھا، ثم علت صخرة مرتفعة، وراحت تصرخ قائلة:
نحن جزيناكم بيوم بدر
والحرب بعد الحرب ذات سعر
ما كان عن عتبة لي من صبر
ولا أخي ّ وعمه وبكري
شفيت نفسي وقضيت نذري
أزاح وحشي غليل صدري
وانتھت المعركة، وامتطى المشركون ابلھم، وساقوا خيلھم قافلين الى مكة..
ونزل الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه معه الى أرض المعركة لينظر شھداءھا..
وھناك في بطن الوادي. وا ھو يتفحص وجوه أصحابه الذين باعوا Ϳ أنفسھم، ّ وقدموھا قرابين مبرورة
لربھم الكبير. وقف فجأة.. ونظر. فوجم.. وضغط على أسنانه.. وأسبل جفنيه..
فما كان ّ يتصور قط أن يھبط الخلق العربي على ھذه الوحشية البشعة فيمثل بجثمان ميت على الصورة
التي رأى فيھا جثمان عمه الشھيد حمزة بن عبد المطلب أسد الله وسيّد الشھداء..
وفتح الرسول عينيه التي تألق بريقھما كومض القدر وقال وعيناه على جثمان ّ عمه:
” لن اصاب بمصلك أبدا..
وما وقفت موقفا قط أغيظ ّ الي من موقفي ھذا.”..
ثم التفت الى أصحابه وقال:
” لولا أن تحزن صفيّة _أخت حمزة_ ويكون سنّه من بعدي، لتركته حتى يكون في بطون السباع
وحواصل الطير.. ولئن أظھرني الله على قريش في موطن من المواطن، لأمثلن بثلاثين رجلا منھم”..
فصاح أصحاب الرسول:
” والله لئن ظفرنا بھم يوما من الدھر، لنمثلن بھم، مثلة لم يمثلھا أحد من العرب”!!..
ولكن الله الذي أكرم حمزة بالشھادة، ّ يكرمه مرة أخرى بأن يجعل من مصرعه فرصة لدرس عظيم
يحمي العدالة الى الأبد، ويجعل الرحمة حتى في العقوبة والقصاص واجبا وفرضا..
وھكذا لم يكد الرسول صلى الله عليه وسلم يفرغ من القاء وعيده السالف حتى جاءه الوحي وھو في
مكانه لم يبرحه بھذه الآية الكريمة:
)ادع الى ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلھم بالتي ھي أحسن، ان ربك ھو أعلم بمن ضل عن
سبيله ، وھو أعلم بالمھتدين.
وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لھو خير للصابرين.
واصبر وما صبرك الا باͿ، ولا تحزن عليھم، ولا تك في ضيق مما يمكرون.
ان الله مع الذين اتقوا، والذين ھم محسنون(..
وكان نزول ھذه الآيات، في ھذا الموظن، خير تكريم لحمزة الذي وقع أجره على الله..
**
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه أعظم الحب، فھو كما ذكرنا من قبل لم يكن ّ عمه الحبيب
فحسب..
بل كان اخاه من الرضاعة..
وتربه في الطفولة..
وصديق العمر كله..
وفي لحظات الوداع ھذه، لم يجد الرسول صلى الله عليه وسلم تحية ّ يودعه بھا خيرا من أن يصلي عليه
بعدد الشھداء المعركة جميعا..
وھكذا حمل جثمان حمزة الى مكان الصلاة على أرض المعركة التي شھدت بلاءه، واحتضنت دماءه،
فصلى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم جيء يشھيد آخر، فصلى عليه الرسول.. ثم رفع
وترك حمزة مكانه، وجيء بشھيد ثاث فوضع الى جوار حمزة وصلى عليھما الرسول..
وھكذا جيء بالشھداء.. شھيد بعد شھيد.. والرسول عليه الصلاة والسلام يصلي على كل واحد منھم
وعلى حمزة معه حتى صلى على ّ عمه يومئذ سبعين صلاة..
**
وينصرف الرسول من المعركة الي بيته، فيسمع في طريقه نساء بني عبد الأشھل يبكين شھداءھن،
فيقول عليه الصلاة والسلام من فرط حنانه وحبه:
” ّ لكن حمزة لا بواكي له”!!..
ويسمعھا سعد بن معاذ فيظن أن الرسول عليه الصلاة والسلام يطيب نفسا اذا بكت النساء عمه،
فيسرع الى نساء بني عبد الأشھل ويأمرھن أن يبكين حمزة فيفعلن… ولا يكاد الرسول يسمع بكاءھن
حتى يخرج اليھن، ويقول
” ما الى ھذا قصدت، ارجعن يرحمكن الله، فلا بكاء بعد اليوم”
ولقد ذھب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبارون في رثاء حمزة وتمجيد مناقبه العظيمة.
فقال حسان بن ثابت:
دع عنك دارا قد عفا رسمھا
وابك على حمزة ذي النائل
اللابس الخيل اذا أحجمت
كالليث في غابته الباسل
أبيض في الذروة من بني ھاشم
لم يمر دون الحق بالباطل
مال شھيدا بين أسيافكم
شلت يدا وحشي من قاتل
وقال عبد الله بن رواحة:
بكت عيني وحق لھا بكاھا
وما يغني البكاء ولا العويل
على أسد الاله غداة قالوا:
أحمزة ذاكم الرجل القتيل
أصيب المسلمون به جميعا
ھناك وقد أصيب به الرسول
أبا يعلى، لك الأركان ّ ھدت
وأنت الماجد ّ البر الوصول
وقالت صفية بنت عبد المطلب عمة الرسول صلى الله عليه وسلم وأخت حمزة:
دعاه اله الحق ذو العرش دعوة
الى جنة يحيا بھا وسرور
فذاك ما كنا نرجي ونرتجي
لحمزة يوم الحشر خير مصير
فوالله ما أنساك ما ھبّت الصبا
بكاءا وحزنا محضري وميسري
على أسد الله الذي كان مدرھا
يذود عن الاسلام كل كفور
أقول وقد أعلى النعي عشيرتي
جزى الله خيرا من أخ ونصير
على أن خير رثاء عطّر ذكراه كانت كلمات رسول الله صلى الله عليه وسلم له حين وقف على جثمانه
ساعة رآه بين شھداء المعركة وقال:
” رحمة الله عليك، فانك كنت وصولا للرحم فعولا للخيرات..”
**
لقد كان مصاب النبي صلى الله عليه وسلم في عمه العظيم حمزة فادحا. وكان العزاء فيه مھمة صعبة..
بيد أن الأقدر طكانت ّ تدخر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أجمل عزاء.
ففي طريقه من أحد الى داره ّ مر عليه الصلاة والسلام بسيّدة من بني دينار استشھد في المعركة أبوھا
وزوجھا، وأخوھا..
وحين أبصرت المسلمين عائدين من الغزو، سارعت نحوھم تسألھم عن أنباء المعركة..
فنعوا اليھا الزوج..والأب ..والأخ..
واذا بھا تسألھم في لھفة:
” وماذا فعل رسول الله..”؟؟
قالوا:
” خيرا.. ھو بحمد الله كما تحبين.”!!.
قالت:
” أرونيه، حتٮأنظر اليه!!..”
ولبثوا بجوارھا حتى اقترب الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما رأته أقبلت نحوه تقول:
” كل مصيبة بعدك، أمرھا يھون!!..”
**
أجل..
لقد كان ھذا أجمل عزاء وأبقاه..
ولعل الرسول صلى الله عليه وسلم قد ابتسم لھذا المشھد ّ الفذ الفريد، فليس في دنيا البذل، والولاء،
والفداء لھذا نظير..
سيدة ضعيفة، مسكينة، تفقد في ساعة واحدة أباھا وزوجھا وأخاھا.. ثم يكون ّ ردھا على الناعي لحظة
سمعھا الخبر الذي ّ يھد الجبال:
” وماذا فعل رسول الله..”؟؟!!
لقد كان مشھد أجاد القدر رسمه وتوقيته ليجعل منه للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عزاء أي
عزاء.. في أسد الله، وسيّد الشھداء!!.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.