رجال حول الرسول صلى الله عليه وسلم:حذيفة بن اليمان ّ عدو النفاق وصديق الوضوح

2019-05-22T19:22:59+01:00
2019-05-22T19:23:14+01:00
الإفتتاحية
عبدالصمد تاغي22 مايو 2019آخر تحديث : منذ 4 أشهر
رجال حول الرسول صلى الله عليه وسلم:حذيفة بن اليمان ّ عدو النفاق وصديق الوضوح
رابط مختصر


خرج أھل المدائن أفواجا يستقبلون واليھم الجديد الذي اختاره لھم أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه..
خرجوا تسبقھم أشواقھم الى ھذا الصحابي الجليل الذي سمعوا الكثير عو ورعه وتقاه.. وسمعوا أكثر
عن بلائه العظيم في فتوحات العراق..
واذ ھم ينتظرون الموكب الوافد، أبصروا أمامھم رجلا مضيئا، يركب حمارا على ظھره اكاف قديم، وقد
أسدل الرجل ساقيه، وأمسك بكلتا يديه رغيفا وملحا، وھو يأكل ويمضغ طعامه!..
وحين توسط جمعھم، وعرفوا أنه حذيفة بن اليمان الوالي الذي ينتظرون، كاد صوابھم يطير!!..
ولكن فيم العجب..؟!
وماذا كانوا يتوقعون أن يجيء في اختيار عمر..؟!
الحق أنھم معذورون، فما عھدت بلادھم أيام فارس، ولا قبل فارس ولاة من ھذا الطراز الجليل!!.
**
وسار حذيفة، والناس محتشدون حوله، وحافون به..
وحين رآھم ي ّ حدقون فيه كأنھم ينتظرون منه حديثا، ألقى على وجوھھم نظرة فاحصة ثم قال:
” اياكم ومواقف الفتن!!..”
قالوا:
وما مواقف الفتن يا أبا عبدالله!!..
قال:
” أبواب الأمراء..”
يدخل أحدكم على الوالي أو الأمير، ّ فيصدقه بالكذب، ويمتدحه بما ليس فيه!..”
وكان استھلالا بارعا، بقدر ما ھو عجيب!!..
واستعاد الانس موفورھم ما سمعوه عن واليھم الجديد، من أنه لا يمقت في الدنيا كلھا ولا يحتقر من
نقائصھا شيئا أكثر مما يمقت النفاق ويحتقره.
وكان ھذا الاستھلال أصدق تعبير عن شخصية الحاكم الجديد، وعن منھجه في الحكم والولاية..
**
فـ حذيفة بن اليمان رجل جاء الحياة مزودا بطبيعة فريدة تتسم ببغض النفاق، وبالقدرة الخارقة على
رؤيته في مكامنه البعيدة.
ومنذ جاء ھو أخوه صفوان في صحبة أبيھما الى رسول الله صلى الله عليه وسلم واعنق ثلاثتھم الاسلام،
والاسلام يزيد موھبته ھذه مضاء وصقلا..
فلقد عانق دينا قويا، نظيفا، شجاعا قويما.. يحتقر الجبن والنفاق، والكذب…
ّ وتأدب على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم واضح كفق الصبح، لا تخفى عليھم من حياته، ولا من
أعماق نفسه خافية.. صادق وأمين..يحب الأقوياء في الحق، ويمقت الملتوين والمرائين والمخادعين!!..
فلم يكن ثمة مجال ترعرع فيه موھبة حذيفة وتزدھر مثل ھذا المجال، في رحاب ھذا الدين، وبين يدي
ھذا الرسول، ووسط ھذا ّ ارعيل العظيم من الأصحاب!!..
ولقد نمت موھبته فعلا أعظم نماء.. وتخصص في قراءة الوجوه والسرائر.. يقرأ الوجوه في نظرة..
ويبلوكنه الأعماق المستترة، والدخائل المخبوءة. في غير عناء..
ولقد بلغ من ذلك ما يريد، حتى كان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، وھو الملھم الفطن الأريب،
يستدل برأي حذيفة، وببصيرته في اختيار الرجال ومعرفتھم.
ولقد أوتي حذيفة من الحصافة ما جعله يدرك أن الخير في ھذه الحياة واضح لمن يريده.. وانما الشر ھو
الذي يتنكر ويتخفى، ومن ثم يجب على الأريب أن يعنى بدراسة الشر في مآتيه، ومظانه..
وھكذا عكف حذيفة رضي الله عنه على دراسة الشر والأشرار، والنفاق والمؤمنين..
يقول:
” كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن
يدركني..
قلت: يا رسول الله فھل بعد ھذا الخير من شر؟
قال: نعم..
قلت: فھل بعد ھذا الشر من خير؟
قال: نعم، وفيه دخن..
قلت: وما طخنه..؟
قال: قوم يستنون بغير سنتي.. ويھتدون يغير ھديي، وتعرف منھم وتنكر..
قلت: وھل بعد ذلك الخير من شر..؟
قال: نعم! دعاة على أبواب جھنم، من أجابھم اليھا قذفوه فيھا..
قلت: يا رسول الله، فما تأمرني ان أدركني ذلك..؟
قال: تلزم جماعة المسلمين وامامھم..
قلت: فان لم يكن لھم جماعة ولا امام..؟؟
قال: تعتزل تلك الفرق كلھا، ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك..”!!
أرأيتم قوله”: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر
مخافة أن يدركني..”؟؟
لقد عاش حذيفة بن اليمان مفتوح البصر والبصيرة على مآتي الفتن، مسالك الشرور ليتقھا، وليحذر
الناس منھا. ولقد أفاء عليه ھذا بصرا بالدنيا، وخبرة بالانس، ومعرفة بالزمن.. وكلن يدير المسائل في
فكره وعقله بأسلوب فيلسوف، وحصانة حكيم…
ويقول رضي الله عنه:
” ان اله تعالى بعث محدا صلى الله عليه وسلم، فدعا الانس من الضلالة الى الھدى، ومن الكفر الى
الايمان، فاستجاب له من استجاب، فحيي بالحق من كان ميتا…
ومات بالباطل من كان حيا..
ثم ذھبت النبوة وجاءت الخلافة على مناھجھا..
ثم يكون ملكا عضوضا!!..
فمن الانس من ينكر بقلبه، ويده ولسانه.. أولئك استجابوا لحق..
ومنھم من ينكر بقلبه ولسانه، كافا يده، فھذا ترك شعبة من الحق..
ومنھم من ينكر بقلبه، كافا يده ولسانه، فھذا ترك شعبتين من الحق..
ومنھم من لا ينكر بقلبه ولا بيده ولا بلسانه، فذلك ميّت الأحياء!…”
ّ ويتحدث عن القلوب وعن حياة الھدى والضلال فيھا فيقول:
” القلوب أربعة:
قلب أغلف، فذلك قلب الكافر..
وقلب مصفح، فذلك قلب المنافق..
وقلب أجرد، فيه سراج يزھر، فذلك قلب المؤمن..
وقلب فيه نفاق وايمان، فمثلالايمان كمثل شجرة يمدھا ماء طيب.. ومثل النفاق كقرحة ّ يمدھا قيح ودم:
فأيھما غلب، غلب…”!!
وخبرة حذيفة بالشر، واصراره على مقاومته ّ وتحديه، أكسبا لسانه وكلماته شيئا من ّ الحدة، وينبأ ھو
بھذا في شجاعة نبيلة:
فيقول:
” جئت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، ان لي لسانا ذربا على أھلي، وأخشى أن يدخلني
النار..
فقال لي النبي عليه الصلاة والسلام: فأين أنت من الاستغفار..؟؟ اني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة…”
**
ھذا ھو حذيفة عدو النفاق، صديق الوضوح..
ورجل من ھذا الطراز، لا يكون ايمانه الا وثيقا.. ولا يكون ولاؤه الا عميقا.. وكذلكم كان حذيفة في ايمانه
وولائه..
لقد رأى أباه المسلم يصرع يوم أحد..وبأيد مسلمة، قتلته خطأ وھي تحسبه واحدا من المشريكن!!..
وكان حذيفة يتلفت مصادفة، فرأى السيوف تنوشه، فصاح في ضاربيه: أبي… أبي.. انه أبي!!..
لكن القضاء كان قد حم..
وحين عرف المسلمون، تولاھم الحزن والوجوم.. لكنه نظر اليھم نظرة اشفاق ومغفرة، وقال:
” يغفر الله لكم، وھو أرحم الراحمين..”
ثم انطلق بسيفه صوب المعركة المشبوبة يبلي فيھا بلاءه، ويؤدي واجبه..
وتنتھي المعركة، ويبلغ الخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأمر بالدية عن والد حذيفة “حسيل بن
جابر” رضي الله عنه، ّ ويتصدق بھا على المسلمين، فيزداد الرسول حبا له وتقديرا…
**
وايمان حذيفة وولاؤه، لا يعترفان
بالعجز، ولا بالضعف..بل ولا بالمستحيل….
في غزوة الحندق..وبعد أن ّ دب الفشل في صفوف كفار قريش وحلفائھم من اليھود، أراد رسول الله عليه
الصلاة والسلام أن يقف على آخر ّ تطورات الموقف ھناك في معسكر أعدائه.
كان اليل مظلما ورھيبا.. وكانت العواصف تزأر وتصطخب، كأنما تريد أن تقتلع جبال الصحراء
الراسيات من مكانھا.. وكان الموقف كله بما فيه من حصار وعناد واصرار يبعث على الخوف والجزع،
وكان الجوع المضني قد بلغ مبلغا وعرا بين اصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم..
فمن يملك آنئذ القوة،وأي قوة ليذھب وسط مخاطر حالكة الى معسكر الأعداء ويقتحمه، أو يتسلل داخله
ثم يبلوا أمرھم ويعرف أخبارھم..؟؟
ان الرسول ھو الذي سيختار من أصحابه من يقوم بھذه المھمة البالغة العسر..
ترى من يكون البطل..؟
انه ھو..حذيفة بن اليمان!..
دعاه الرسول صلى الله عليه وسلم فلبى، ومن صدقه العظيم يخبرنا وھو يروي النبأ أنه لم يكن يملك الا
أن يلبي.. مشيرا بھذا الى أنه كان يرھب المھمة الموكولة اليه، ويخشى عواقبھا، والقيام بھا تحت وطأة
الجوع، والصقيع، والاعياء الجديد الذي خلفھم فيه حصار المشركين شھرا أو يزيد!..
وكان أمر حذيفة تلك الليلة عجيبا…
فاقد قطع المسافة بين المعسكرين، واخترق الحصار.. وتسلل الى معسكر قريش، وكانت الريح العاتية قد
أطفأت نيران المعسكر، فخيّم عليه الظلام،واتخذ حذيفة رضي الله عنه مكانه وسط صفوف المحاربين…
وخشي أبوسفيان قائد قؤيش، أن يفجأھم الظلام بمتسللين من المسلمين، فقام يحذر جيشه، وسمعه
حذيفة يقول بصوته المرتفع:
” يا معشر قريش، لينظر كل منكم جليسه، وليأخذ بيده، وليعرف اسمه.”
يقول حذيفة”
” فسارعت الى يد الرجل الذي بجواري، وقلت لھمن أنت..؟ قال: فلان بن فلان؟…”
وھكذا ّ أمن وجوده بين الجيش في سلام!..
واستأنف أبو سفيان نداءه الى الجيش قائلا”: يا معشر قريش.. انكم والله ما أصبحتم بدار مقام.. لقد
ھلكت الكراع _ أي الخيل_ والخف_ أي الابل_، وأخلفتنابنو قريظة، وبلغنا عنھم الذي نكره، ولقينا من
ّ شدة الريح، ما تطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فاني مرتحل..”
ثم نھض فوق جمله، وبدأ المسير فتبعه المحاربون..
يقول حذيفة:
” لولا عھد رسول الله صلى الله عليه وسلم ّ الي ألا تحدث شيئا حتى تأتيني، لقتلته بسھم..”
وعاد حذيفة الى الرسول عليه الصلاة والسلام فأخبره الخبر، وزف البشرى اليه…
**
ومع ھذا فان حذيفة يخلف في ھذا المجال كل الظنون..
ورجل الصومعة العابد، المتأمل لا يكاد يحمل شيفه ويقابل جيوش الوثنية والضلال حتى يكشف لنا عن
عبقرية تبھر الأبصار..
وحسبنا أن نعلم، أنه كان ثالث ثلاثة، أو خامس خمسة كانوا أصحاب السبق العظيم في فتوح العراق
جميعھا!..
وفي ھمدان والري والدينور تم الفتح على يديه..
وفي معركة نھاوند العظنى، حيث احتشد الفرس في مائة ألف مقاتل وخمسين الفا.. اختار عمر لقيادة
الجيوش المسلمة النعمان بن ّ مقرن ثم كتب الى حذيفة أن يسير اليه على رأس جيش من الكوفة..
وأرسل عمر الى المقاتلين كتابه يقول:
” اذا اجتمع المسلمون فليكن على كل أمير جيشه.. وليكن أمير الجيوش جميعھا النعمان بن ّ مقرن..
فاذا استشھد النعمان، فليأخذ الراية حذيفة، فاذا استشھد فجرير بن عدالله..
وھكذا مضى أمير المؤمنين يختار ّ قواد المعركة حتى ّ سمى منھم سبع…
والتقى الجيشان..
الفرس في مائة ألف وخمسين ألفا..
والمسلمون في ثلاثين ألفا لاغير…
وينشب قتال يفوق كل تصور ونظير ودارت معركة من أشد معارك التاريخ فدائية وعنفا..
وسقط قائد المسلمين قتيلا، سقط النعمان بن م ّ قرن، وقبل أن تھوي الراية المسلمة الى الأرض كان
القائد الجديد قد تسلمھا بيمينه، وساق بھا رياح النصر في عنفوان لجب واستبسال عظيم… ولم يكن ھذا
القائد سوى حذيفة بن اليمان…
حمل الراية من فوره، وأوصى بألا ندع نبأ موت النعمان حتى تنجلي المعركة.. ودعا نعيم بن مقرن
فجعله مكان أخيه النعمان تكريما له..
أنجزت المھمة في لحظات والقتال يدور، بديھيته المشرقة.. ثم انثنى كالاعصار المدمدم على صفوف
الفرس صائحا:
” الله أبكر صدق وعده!!
الله أكبر نصر جنده”!!
ثم لوى زمام فرسه صوب المقاتلين في جيوشه ونادى: يا أتباع محمد.. ھاھي ذي جنان الله تتھيأ
لاستقبالكم فلا تطيلوا عليھا الانتظار..
ھيا يا رجال بدر..
تقدموا يا ابطال الخندق وأحد وتبوك..
لقد احتفظ حذيفة بكا حماسة المعركة وأشواقھا، ان لم يكن قد زاد منھا وفيھا..
وانتھى القتال بھزيمة ساحقة للفرس.. ھزيمة لا نكاد نجد لھا نظيرا!!..
**
ھذا العبقري في حمته، حين ّ تضمه صومعته..
والعبقري في فدائيته، حين يقف فوق أرض القتال..
ھو كذلك العبقري في كل مھمةتوكل اليه، ومشورةتطلب منه.. فحين انتقل سعد بن أبي وقاص
والمسلمون معه من المدائن الى الكوفة واستوطنوھا..
وذلك بعد أن أنزل مناخ المدائن بالعرب المسلمين أذى بليغا.
مما جعل عمر يكتب الى سعد كي يغادرھا فورا بعد أن يبحث عن أكثر البقاع ملاءمة، فينتقل بالمسلمين
اليھا..
يومئذ من الذي وكل اليه أمر اختيار البقعة والمكان..؟
انه حذيفة بن اليمان.. ذھب ومعه سلمان بن زياد، يرتادان لمسلمين المكان الملائم..
فلما بلغا أرض الكوفة، وكانت حصباء جرداء مرملة. ّ شم حذيفة عليھا أنسام العافية، فقال لصاحبه: ھنا
المنزل ان شاء الله..
وھكذا خططت الكوفة وأحالتھا يد التعمير الى مدينة عامرة…
وما كاد المسلمون ينتقلون اليھا، حتى شفي سقيمھم. وقوي ضعيفھم. ونبضت بالعافية عروقھم!!..
لقد كان حذيفة واسع الذكاء، متنوع الخبرة، وكان يقول للمسلمين دائما:
” ليس خياركم الذين يتركون الدنيا للآخرة.. ولا الذين يتركون الآخرة للدنيا.. ولكن الذين يأخذون من
ھذه ومن ھذه…”
**
وذات يوم من أيام العام الھجري السادس والثلاثين..دعي للقاء الله.. واذ ھو يتھيأ للرحلة الأخيرة دخل
عليه بعض أصحابه، فسألھم:
أجئتم معكم بأكفان..؟؟
قالوا: نعم..
قال: أرونيھا..
فلما رآھا، وجدھا جديدة فارھة..
فارتسمت على شفتيه آخر بسماته الساخرة، وقال لھم:
” ما ھذا لي بكفن.. انما يكفيني لفافتان بيضاوان ليس معھما قميص..
فاني لن أترك في القبر الا قليلا، حتى ّ أبدل خيرا منھما… أو ّ شر منھما..”!!
وتمتم بكلمات، ألقى الجالسون أسماعھم فسمعوھا:
” مرحبا بالموت..
حبيب جاء على شوق..
لا أفلح من ندم..”
وصعدت الى الله روح من أعظم أرواح البشر، ومن أكثرھا تقى، وتآلقا، واخباتا..

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.